«جا الوقت» و«Adesso!».. حين يختزل النقاش السياسي في ملكية عبارة
*✍️غزيز فصالي
تعليقا على ما راج بشأن شعار «جا الوقت» واتهام الحركة الشعبية بـ«السطو» على عنوان مسرحية تحسيسية عرضت بالعرائش سنة 2013، يبدو من المفيد إعادة النقاش إلى نصابه: هل نحن أمام مسألة ملكية فكرية فعلا، أم أمام تحويل لوجهة النقاش الانتخابي من البرنامج إلى العبارة؟ ولعل أقصر طريق إلى الجواب هو الخروج من الحدود المغربية قليلا، والعودة إلى محطة قطار قديمة في فلورنسا.
عبارة من قاموس المغاربة اليومي، لا اختراع لأحد
«جا الوقت» ليست صياغة أدبية مبتكرة ولا تركيبا لغويا نادرا؛ إنها جملة دارجة يقولها المغاربة في بيوتهم وأسواقهم وأوراشهم منذ عقود. تقال حين ينفد الصبر، وحين ينضج قرار، وحين يتأخر إنصاف. هي، بهذا المعنى، ملك مشترك للناطقين بها قبل أن تكون عنوانا لعمل مسرحي أو شعارا لحملة انتخابية.
ومن الطبيعي أن تلتقي أعمال فنية ومبادرات مدنية وحملات سياسية عند العبارة نفسها، لأنها تعبر عن حالة جماعية لا عن فكرة مملوكة. الالتقاء هنا دليل على أن العبارة تسكن الوجدان العام، لا على أن أحدا نقلها عن أحد.
من فلورنسا إلى المغرب: «Adesso!» أو «جا الوقت» بالإيطالية
من أراد أن يبحث عن «أصل» سياسي لهذه العبارة، فعليه أن يعود إلى إيطاليا لا إلى العرائش. فحين خاض ماتيو رينزي، عمدة فلورنسا آنذاك، انتخابات الرئاسة التمهيدية لليسار الإيطالي سنة 2012، اختار شعارا واحدا لا غير: «Adesso!»، أي «الآن!»، وهو المعادل الحرفي لـ«جا الوقت». وقد صار هذا الاسم لصيقا بالتيار الذي التف حوله داخل الحزب الديمقراطي، إلى حد أن التيار نفسه عرف بهذا العنوان.
وقبل ذلك بسنتين، سنة 2010، كانت محطة Leopolda القديمة في فلورنسا قد احتضنت اللقاء الذي أطلق منه رينزي مساره: فضاء مفتوح خارج القوالب الحزبية التقليدية، يجمع الشباب ورواد الأعمال والمجتمع المدني حول فكرة واحدة: أن وقت إعادة تأسيس الحزب قد حان. من هناك بدأ الطريق الذي قاده لاحقا إلى رئاسة الحكومة الإيطالية.
وقد سبق أن فصلنا هذا التقاطع في مقال منشور بموقع «آش بريس»، قارنا فيه بين تجربة Leopolda ومشروع «جا الوقت»، وخلصنا إلى أنهما يلتقيان في الجوهر: إعادة بناء الحزب، وتجديد النخب، واسترجاع الثقة عبر خطاب جديد أقرب إلى المواطن.
هذه هي الأسرة الفكرية التي ينتمي إليها مشروع «جا الوقت»: أسرة اللحظات التأسيسية التي تعلن القطيعة مع الممارسة القديمة، وتجدد النخب، وتعيد ربط الحزب بالمواطن. مرجعه سياسي بامتياز: إعادة إطلاق الحركة الشعبية بقيادة محمد أوزين على منوال ما فعلته Leopolda بالحزب الديمقراطي الإيطالي. لا علاقة للأمر بخشبة مسرح، بل بتقليد سياسي حديث في إعادة بناء الأحزاب.
والملاحظة الأهم هنا أن أحدا في إيطاليا لم يخطر له أن يرفع دعوى في «ملكية» كلمة «الآن»، ولا أن يسائل رينزي عن سابقيه في استعمالها. فالعبارة التي تعلن أن الوقت قد حان هي من الثوابت المتداولة في الخطاب السياسي عبر العالم، من الحملات الأمريكية إلى الأوروبية، ولا تنسب لأحد لأنها ببساطة لا تملك.
ما الذي تحميه القوانين فعلا؟
حماية حقوق المؤلف، في القانون المغربي كما في التشريعات المقارنة، تنصرف إلى المصنفات الأصيلة في شكلها التعبيري: النص المسرحي،
السيناريو، الحوار، البناء الدرامي، الإخراج، السينوغرافيا. أما الأفكار العامة والعناوين المكونة من عبارات شائعة في التداول اليومي، فلا ترقى في العادة إلى شرط الأصالة الذي يبرر منح احتكار قانوني عليها.
ولو سلمنا بعكس ذلك، لأصبح كل من سبق إلى استعمال جملة دارجة مالكا لها في وجه ملايين المتحدثين بها. وهو مآل لا يستقيم لا قانونا ولا منطقا. يضاف إلى ذلك انتفاء أي خلط ممكن بين مجالين مختلفين تماما: عمل مسرحي تحسيسي من جهة، وشعار سياسي في سياق انتخابي من جهة أخرى، دون منافسة ولا استفادة من جهد إبداعي مقتبس.
فلا نص نقل، ولا مشهد استعير، ولا فكرة درامية أعيد إنتاجها. اللقاء وقع عند ثلاث كلمات، وهي كلمات لم يخترعها أحد، لا في العرائش ولا في فلورنسا.
المسرحية والعمل الجمعوي: تقدير لا خصومة
من الإنصاف التنويه بالعمل الذي قامت به شبكة جمعيات التنمية بالعرائش والفريق المسرحي الذي رافقها، حين اختار أن يضع معاناة النساء العاملات في قطاع الفراولة على الخشبة. ذلك جهد مدني ومهني يستحق الاحترام، وقد وضع الإصبع على أوضاع النقل والأجر والحماية الاجتماعية والكرامة في العالم القروي.
غير أن هذا التقدير هو بالضبط ما يجعل الخصومة في غير محلها. إذا كان «جا الوقت» صالحا سنة 2013 للتعبير عن انتظارات نساء الفراولة، فهو اليوم صالح للتعبير عن انتظارات ملايين المغاربة في القدرة الشرائية والعدالة المجالية وشروط الشغل. لا تناقض بين الاستعمالين، بل استمرارية في المطلب نفسه، من الخشبة إلى البرنامج.
نقاش الشعار أم نقاش البرنامج؟
الحملة الانتخابية لحظة يفترض أن تقاس فيها العروض السياسية بمضمونها: ماذا تقترح في القدرة الشرائية؟ وفي العدالة المجالية بين المركز والهامش؟ وفي محاربة الاحتكار والريع؟ وفي إدماج الشباب والكفاءات؟ وفي التعاقد بدل الوعد؟ هذه هي الأسئلة التي يحتكم إليها الناخب يوم الاقتراع.
أما تحويل النقاش إلى محاكمة لثلاث كلمات، فهو في أحسن الأحوال انشغال ثانوي، وفي أسوئها وسيلة لتفادي مواجهة المضمون. ولو كان الشعار وحده يصنع النجاح، لما احتاج رينزي إلى Leopolda ولا إلى مشروع كامل لإعادة بناء حزبه؛ فالكلمة لا تساوي شيئا إن لم تسندها رؤية.
خلاصة
لا سطو حيث لا مصنف مأخوذ، ولا احتكار لعبارة يتقاسمها كل المغاربة، ويتقاسمها معهم الخطاب السياسي في العالم منذ عقود. وبدل تحويل الأمر إلى نزاع رمزي، فإن الأجدر هو أن يلتقي السياسي والفني والجمعوي عند المضمون نفسه: أوضاع العاملات والعمال، والحماية الاجتماعية، والعدالة المجالية.
في هذا الملف بالذات، لا حاجة إلى معركة حول من قال «جا الوقت» أولا. الأهم هو من يملك اليوم الجرأة على أن يجعل هذا الوقت وقتا للإنصاف فعلا.
*(رئس لجنة مغاربة العالم)
ــــــــــــــــــــ
للتوسع: مقال سابق منشور بموقع «آش بريس» حول التقاطع بين تجربة Leopolda ومشروع «جا الوقت»:
https://www.achpress.com/?p=411166

































