الحركة الشعبية.. من «الكرامة» كفلسفة إلى “التعاقد الحركي” كنهج
✍️عبد الرحيم بوزيان
حين سئل الزعيم المرحوم المحجوبي أحرضان، في إحدى الحملات الانتخابية، عن برنامج الحركة الشعبية، اختزل جوابه في كلمة واحدة وهي الكرامة.
قد تبدو الإجابة، للوهلة الأولى، مقتضبة وبسيطة ، لكنها في العمق تنطوي على فلسفة سياسية كاملة؛ وعنوانا عريضا يمكن أن تتفرع عنه كل الأهداف والاستراتيجيات والمخططات والبرامج والمشاريع والإجراءات. فالكرامة ليست مجرد شعار انتخابي أو وعد عابر، وإنما هي الغاية التي ينبغي أن تتجه إليها السياسات العمومية، لارتباطها بتطلعات وطموحات المواطنات والمواطنين.
ومن هذه الزاوية، ومن دون شك فإن رؤية أحرضان تتقاطع مع جوهر الممارسة السياسية، باعتبار أن السياسة في نهاية المطاف هي الاجتهاد في جعل الإمكانات والرأسمال المادي واللامادي في خدمة المواطنات والمواطنين وتطويع الأرقام والمؤشرات، ليكون لها أثر ملموس على تحسين شروط عيش الإنسان، وصيانة كرامته، وتعزيز شعوره بالانتماء والمواطنة، وضمان تكافؤ الفرص والعدالة بين مختلف فئات المجتمع ومجالاته الترابية.
وإذا كانت الحركة الشعبية حزبا يتطور ويتفاعل مع التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية التي يعرفها المغرب، فإن هناك خيطا ناظما ظل عابرا لمسار الحزب السياسي منذ التأسيس، يتمثل في التشبث بالثوابت الوطنية والقيم والمبادئ التي تعاقد عليها الحزب مع المغاربة.
ومن هنا، فإن الحركة الشعبية لا تنظر إلى البرامج الانتخابية باعتبارها مجرد لائحة من الوعود التي تقدم في موسم الانتخابات، وإنما باعتبارها امتدادا لرؤية سياسية انطلقت من هاجس تحقيق كرامة المغاربة، وتعزيز هويتهم الوطنية، وترسيخ قيم تمغربيت، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، وضمان تكافؤ الفرص بين المواطنين.
هذه الرؤية هي التي تجعل من الكرامة، بمفهومها الواسع، مدخلا لفهم العديد من المواقف والمبادرات والاقتراحات التي تقدم بها الحزب وفريقه البرلماني على امتداد عقود ،ومنها الولاية التشريعية الحالية.
وفق هذا الأفق ، أنتج الفريق الحركي حوالي 150 مقترح قانون، يتضمن كل واحد منها فكرة أو معالجة لإشكال أو استجابة لحاجة مجتمعية، كما تقدم بأكثر من 6000 سؤال كتابي، تناولت مختلف القضايا التي تستأثر باهتمام المواطنات والمواطنين.
ولم تكن هذه المبادرات مجرد أسئلة تقنية أو مطالب ظرفية، بل شملت قضايا اجتماعية واقتصادية وتنموية ومجال
ية وبيئية وثقافية، بل إن الفريق الحركي كان سباقا إلى إثارة عدد من الملفات التي أصبحت اليوم حاضرة بقوة في الخطاب السياسي والبرامج الانتخابية.
إذ سبق له أن أثار موضوع دعم استيراد اللحوم والأبقار،وموضوع الوسطاء والسماسرة وموضوع تأطير الدعم العمومي، وهزالة المعاشات، ووضعية الشباب خارج الدراسة والتكوين والشغل، والتمكين الاقتصادي للنساء، ومدخول الكرامة، والعدالة المجالية والاجتماعية، وتسقيف سن الولوج الى التعليم،
والبطاقة الذكية لولوج الصحة بدون أداء مسبق وإشكالية الساعة الإضافية، والسكن بالعالم القروي الذي ظل خارج سياق عدد من آليات الدعم، فضلا عن أثر السياسات العمومية والاستثمار على التنمية، ومشاكل القرية والجبل والواحة، وقضايا الماء، وغيرها من الملفات التي يصعب حصرها في مقال واحد.
والأهم من ذلك أن عددا من هذه القضايا لم تطرحها الحركة الشعبية من باب المزايدة السياسية، وإنما انطلاقا من قراءة لما يعتمل داخل المجتمع المغربي من تحولات وإشكالات، ومن محاولة لاستباق بعض الأزمات قبل أن تتحول إلى قضايا ضاغطة على المواطن وعلى الدولة.
بل إن بعض المقترحات التي تظهر اليوم ضمن البرامج الانتخابية لبعض الأحزاب، سبق للفريق الحركي أن أثارها من خلال تعديلات تقدم بها، خصوصا أثناء مناقشة مشاريع قوانين المالية.
ومن هذه الزاوية، فإن تجربة الحركة الشعبية البرلمانية خلال الولاية المنتهية تقدم نموذجا مختلفا؛ لأنها تجعل من السؤال والاقتراح والتعديل والمبادرة أدوات مستمرة للممارسة السياسية، وليس فقط أثناء الحملات الانتخابية.
اليوم ،وفي إطار الاستحقاقات الانتخابية تتقدم الحركة الشعبية ببرنامجها تحت مسمى ذا دلالة ويتعلق الأمر بالتعاقد الحركي ،أي التعاقد الذي يحمل في طياته البديل الحركي.
فهذا التعاقد يعتبر مافوق التعهد، لأنه يعتبر وثيقة أخلاقية ربيطة الصلة بتقديم الحساب ،ليس إلى حين الاستحقاقات الموالية ،بل خلال المدة الانتدابية نفسها .
ومايميز هذا التعاقد هو امتثاله لنفس القيم التي ميزت الحركة وجذورها الهوياتية التي تنهل من قيم تمغربيت وتنتصر لتحقيق الكرامة.
من هذا المنطلق، اقترحت الحركة الشعبية في هذا التعاقد 14 أولوية و14 إجراء بلمسة حركية، وبكفاءات حركية تختزل اجتهادا وفكرا حركيا من خلال الممارسة والمتابعة والملامسة والقرب.
فهي أولويات وإجراءات واقعية وليست مستوردة ولامستنسخة ،كما أنها تتضمن حلولا ممكنة جدا ،بعيدة عن الطوباوية أو الترويج الحملاتي العابر.
ويتجلى ذلك بوضوح على سبيل المثال لاالحصر في:
– حماية القدرة الشرائية والحد من موجات الغلاء .
-منظومة وطنية وجهوية للتشغيل واقتراح 1000 درهم لحاملي الشهادات دعما لهم في البحث عن الشغل ،مما يتماشى مع مقترح قانون تقدم به الفريق الحركي في الموضوع.
– بطاقة صحية رقمية موحدة وعلاج دون أداء مسبق لمختلف المؤمنين
– منحة جامعية شهرية وسكن جامعي ميسر
– خصم جزء من نفقات التعليم من الوعاء الضريبي للأسر المعنية
– اعتماد المؤشر الجهوي في الدعم والحماية الاجتماعية
– إنصاف الأرامل والنساء المطلقات والأشخاص في وضعية إعاقة( 1000 درهم كحد أدنى لكل أسرة مستحقة )
– إلغاء ديون صغار الفلاحين والكسابة المتضررين
– تسريع وتيرة ترسيم الامازيغية
– تقنين التمويلات المبتكرة
– مراجعة معايير توزيع ميزانيات مجالس الجهات بمراعاة مؤشرات التنمية البشرية والترابية.
هذا فقط جزء من التعاقد الحركي الذي يجعل بين الوعد والممارسة مسافة، وبين الشعار والبرنامج فرق، وبين البرنامج والتراكم السياسي فارق أكبر.مع التأكيد أن قيمة البرنامج الانتخابي الحقيقي ليس في عدد الوعود التي يتضمنها، وإنما في صدقية من يقدمها، وقابلية ما يقترحه للتنفيذ، ورصيده في الدفاع عنه قبل أن يصبح برنامجا انتخابيا.

































