الاستحقاقات الانتخابية ورهان تكثيف المشاركة

✍️عبدالرحيم بوزيان

هل يمكن اعتبار عدم المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، وعدم التوجه إلى صناديق الاقتراع من قبل بعض الفئات المجتمعية، موقفا سياسيا أم تقاعسا في الحس المدني؟.

السؤال لا يقتصر على الذين لا يشاركون، بل يشمل أيضا الذين لم يسجلوا أنفسهم في اللوائح الانتخابية، أو المسجلين الذين لا يكلفون أنفسهم عناء التوجه إلى صناديق الاقتراع.

من خلال العودة إلى نسب المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية السابقة، نجد بأن هذه النسبة ارتفعت إلى حد ما برسم استحقاقات 2021 قياسا بالمحطات السابقة ، وهو أمر لا يمكن تفسيره بالضرورة بطفرة أو صحوة مجتمعية انتبهت إلى أهمية الاستحقاقات الانتخابية، بقدر ما يمكن ربطه في تقديرنا بتزامن الانتخابات التشريعية والجماعية التي جرت في يوم واحد، مما يعني أن الهاجس المحلي يستأثر أكثر باهتمام الناخب ،ولاسيما بالمناطق ذات الامتداد القروي ،والشاهد على ذلك، أن نسبة المشاركة في بعض الانتخابات التشريعية الجزئية التي جرت لاحقا لم تعرف نفس النسبة والحجم ، وهو ما يستدعي قراءة سياسية وسوسيولوجية لطبيعة اهتمام الناخب، وسبل تسليط النقاش السياسي والعمومي والاعلامي حول الحدود الفاصلة بين الشأن المحلي وخدمات القرب، وبين السياسات العمومية الوطنية التي تؤطرها اختصاصات البرلمان في مجالات التشريع والمراقبة وتقييم السياسات العمومية، علاوة على الدبلوماسية البرلمانية، من خلال العضوية في الشعب ومجموعات الصداقة البرلمانية وغيرها،مع العلم أن الشأن المحلي حاضر بدوره في اهتمامات البرلمان ، عن طريق المراقبة عبر الأسئلة الكتابية ومايسمح به النظامان الداخليان لمجلسي البرلمان.

وبناء عليه فإن السؤال المطروح على ضوء نسبة المشاركة التي تحققت استثناء خلال سنة 2021 هو التالي:

ألا يمكن أن يكون هذا المعطى باعثا على التفكير، مستقبلا، في مدى ملاءمة مدد الانتداب لمختلف المؤسسات المنتخبة، بما يضمن قدرا أكبر من الانسجام بين الاستحقاقات الوطنية والترابية؟.

وإذا كان هذا الطرح ذا وجاهة عملية بمرجعية استحقاقات 2021 ,فإن تطويق ظاهرة العزوف ،يطرح أيضا مدى إمكانية فرض التصويت الإجباري .
وهنا، ولئن كان الدستور يعتبر التصويت حقا وواجبا وطنيا، فإن طرح إجباريته ، بمختلف الطرق والمناهج التي تعتمدها بعض الدول، يطرح إشكالا حقيقيا يتعلق بالتوفيق بين واجب المشاركة وحرية الاختيار، إذ إن المشاركة لا ينبغي أن تقوم على الإكراه، وإنما على الاقتناع والمسؤولية.

في ذات السياق، نعتبر بأن المشاركة في العملية الانتخابية بقدر ماتشكل قناعة واختيارا ومسؤولية ،فهي أيضا ثقافة تمتح من حس المواطنة، وهذه الثقافة لا يمكن التشبع بها فقط خلال فترة الانتخابات، وإنما ينبغي أن تتكرس أيضا خلال الفترات الفاصلة بينها، بل ومنذ النشء،وبالتالي، فهي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والجامعة والأحزاب والمجتمع المدني والإعلام والمثقفين،ولاتستثني الخطاب الديني أيضا.

وبالإضافة إلى إدراج المشاركة الانتخابية ضمن التربية على المواطنة، فإن التوعية والتحسيس يجب أن تتكثف سواء خلال فترة الانتخابات او خارجها ،على أساس أن هذه المشاركة تعني الانخراط الجماعي في صناعة مستقبل البلد، والمساهمة في تحديد اختياراته، وترسيخ صورة البلد ومكانته الديمقراطية والمؤسساتية أمام شركائه والمستثمرين وغيرهم.

فالشعور باللامبالاة تجاه السياسة، وبأن الانتخابات لا تغير كثيرا في الواقع، يظل أحد العوامل التي تفسر استمرار ظاهرة العزوف.

وهي ظاهرة لا تلغي الانتخابات ونتائجها بالطبع ، بقدر ما قد تساهم في تكريس استمرار بعض الممارسات او بعض الوجوه في المشهد السياسي، على خلفية توفرها على الحد الأدنى من الخزان الانتخابي الذي يؤمن لها تكرار التجربة مرة بعد أخرى.

لذلك ،وبدل إمعان البعض في الانتقاد وتوجيه اللوم في الواقع والمواقع تجاه سياسات وممارسات معينة ، فمن الأجدى بل ومن الواجب المبادرة إلى التسجيل في اللوائح الانتخابية والتوجه الى صناديق الاقتراع للتعبير عن الموقف والقناعة الذاتية ،بدل الاستمرار في موقع المتفرج المنتقد أو اللامبالي.
إن التعامل مع العزوف الانتخابي يقتضي بكل تأكيد التمييز بين عزوف قد يكون تعبيرا عن احتجاج سياسي، وعزوف ناتج عن اللامبالاة وعدم الثقة، وعزوف قد تكون وراءه عوائق موضوعية مرتبطة بالتسجيل أو الوصول إلى مكاتب التصويت أو غيرها من الإكراهات.

كما أن الأحزاب مسؤولة، بالدرجة الأولى، ليس فقط عن التأطير، استنادا إلى دورها الدستوري، ولكن أيضا عن توفير بيئة أخلاقية للممارسة السياسية، وتقديم عرض سياسي يحترم ذكاء المواطن ويعيد الثقة ويشجع الانخراط في العملية الانتخابية.

فمثلا، حينما تقدم أحزاب دبرت الشأن العام برامج تتضمن حلولا لمشاكل يعاني منها المغاربة، فإن مثل هذه السرديات لا تقنع المواطن بمنطق الاستفهام التالي : لماذا لم تقدموا هذه الحلول عندما كنتم في موقع المسؤولية؟أو مثلا عندما تروج هذه الأحزاب بأنها ستعيد احتلال المرتبة الأولى أو الثانية، في استباق تام لاختيار المواطن وإرادته وفي شبه إلغاء لباقي مكونات الطيف السياسي، فإن مثل هذا الخطاب يرسخ منطق الاستئثار والهيمنة المسبقة، ويحول المنافسة الانتخابية من مجال مفتوح أمام اختيارات المواطنين إلى مجرد سباق بين نتائج يتم التسويق لها قبل أن يقول المواطن كلمته.

أكيد أننا اليوم أمام الحاجة إلى توسيع المشاركة، من خلال عقد اجتماعي جديد مع الناخبين، يقوم على الوضوح في البرامج، والصدق في الوعود، والقدرة على تقديم الحساب.

ومن جهة أخرى، لا بد من تيسير العملية الانتخابية وتسهيل الوصول إلى مكاتب التصويت، والتعامل مع مختلف الإكراهات التي قد تحول دون ممارسة المواطن لحقه وواجبه في المشاركة.

كما يمكن التفكير مستقبلا في اعتماد خيارات التصويت الإلكتروني، متى توفرت الشروط القانونية والتقنية والأمنية الكفيلة بضمان نزاهة العملية الانتخابية وسريتها ومصداقيتها، بما قد يساهم في تسهيل المشاركة وتوسيعها.

إن القطع مع العزوف الانتخابي وتكثيف المشاركة مسؤولية جماعية كما أشرنا إلى ذلك آنفا ،ولاتقتصر على المواطن الناخب نفسه ،وبالتالي، فإن أهميتها تجد سندها في أحد ثوابت الدستور ويتعلق الأمر بالاختيار الديمقراطي، وأيضا بصورة البلد وبمستقبله .

لذلك، نتمنى ألا تكون محطة 23 شتنبر محطة انتخابية عابرة، بل عيدا ديمقراطيا ببلدنا، تتجدد فيه الثقة بين المواطن والمؤسسات، ويؤكد فيه المغاربة أن المشاركة ليست فقط حقا دستوريا، وإنما هي أيضا مسؤولية في صناعة المستقبل.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code