العدالة المجالية والذكاء الترابي: نحو إسقاط منطق “مغرب السرعتين”

✍️عبد الرحيم بوزيان

​تضعنا القراءة المتفحصة لمسار السياسات العمومية بالمغرب أمام مفارقة تنموية صارخة؛ فبقدر ما تزدهر الواجهات الحضرية والمراكز الاقتصادية الكبرى بمشاريع البنية التحتية والاستثمارات الهيكلية، بقدر ما يستمر الهامش القروي والجبلي والواحي في مكابدة أعراض التهميش وضغوط الخصاص. إنها ثنائية “مغرب السرعتين” التي لم تعد مجرد توصيف سياسي أو بلاغي، بل أضحت عقبة هيكلية تحول دون تحقيق التماسك الاجتماعي والإنصاف الدستوري.

​لقد أكدت التقارير الوطنية المتعاقبة—وفصلت فيها تشخيصات النموذج التنموي الجديد والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي—أن المعضلة الأساسية لا تكمن في شح المبادرات الماكرواقتصادية، بل في غياب الالتقائية، واعتماد الهندسة الممركزة، والتعاطي مع التنمية بمنطق تجميع الخرسانة لا بمنطق بناء الإنسان. والنتيجة هي تعميق التفاوتات ليس فقط بين الجهات، بل داخل الإقليم الواحد والمدينة الواحدة.

أمام هذا الواقع، يتشكل اليوم دفق اقتراحي مدني وبرلماني من خلال الفريق الحركي بمجلس النواب الداعي إلى إقرار قانون خاص بالجبل وآخر خاص بالواحات ،بالإضافة الى التوجيهات الرسمية المتمثلة في إطلاق جيل جديد من برامج التنمية المندمجة، والقائمة على إعمال “الذكاء الترابي”؛ أي تعبئة المعرفة الميدانية، والبيانات الدقيقة، والتقنيات الرقمية لصياغة سياسات متكيفة مع الخصوصيات الترابية بدلا من الحلول الجاهزة.

إن الحديث عن «مغرب السرعتين» لم يعد – كما سبقت اليه الإشارة – مجرد توصيف سياسي بلاغي للتفاوتات التي يعرفها المجال المغربي، بل أصبح سؤالا حقيقيا حول مستقبل النموذج التنموي نفسه: أي كيف يمكن أن نبني مغربا واحدا، تتعدد فيه الجهات والمجالات والخصوصيات، لكن تتقارب فيه شروط العيش والفرص والكرامة؟.
طبيعي أن يكون الاختلاف سنة الحياة، وأن يكون التنوع مصدر قوة وغنى لأي مجتمع. لكن الاختلاف في الخصوصيات لا ينبغي أن يتحول إلى اختلاف في الحقوق، ولا أن يصبح مكان ولادة المواطن أو موقع سكنه عاملا محددا لحظوظه في التعليم والصحة والسكن والرياضة والنقل والشغل والاستثمار والخدمات الأساسية.

وهنا تحديدا تبرز المفارقة.

لقد حقق المغرب خلال العقود الأخيرة تحولات كبرى، وأنجز أوراشا ومشاريع استراتيجية غيرت ملامح الاقتصاد والمجال، من الطرق السيارة والموانئ والمطارات إلى المناطق الصناعية والمشاريع السياحية والرياضية وغيرها.

لكن التنمية في تقديرنا يجب أن تكون محكومة بالنتائج، أي بما ينعكس إيجابا على حياة المواطن اليومية سواء في الحواضر أو القرى أو الجبال أو الواحات.

إذن ،فالتفاوتات تعتبر تكريسا لمفهوم ماضوي، يفرق بين مغرب قريب ومغرب عميق ،بين مغرب نافع وآخر غير نافع ،بين الحاضرة والبادية ،مع العلم أن هذا الطرح خاطئ تماما تفنذه الإمكانيات المادية والبشرية والثروات المتنوعة التي تتوفر عليها بلادنا.

والمفارقة المرسخة لهذا البعد غير المتوازن في التصور وفي التفكير ،تتكرس في الواقع أيضا عندما نجد مثلا مدينة بواجهة حديثة ومشاريع كبرى، بينما تعاني أحياء على بعد بضعة كيلومترات من ضعف النقل أو التجهيزات أو الخدمات الأساسية والاجتماعية وغيرها. وقد نجد الإقليم نفسه يضم مجالات تستفيد من الاستثمار والبنيات الأساسية، وأخرى تواجه صعوبة الولوج إلى المدرسة أو المستشفى أو الماء أو الطريق.

بل إن التفاوت لا يوجد دائما بين المدينة والقرية، أو بين جهة وأخرى؛ وإنما يوجد داخل المدينة الواحدة، والإقليم الواحد، والجماعة الترابية نفسها.
وهذه ربما هي أخطر صور «مغرب السرعتين»: أي أن يعيش مواطنان في المجال الترابي نفسه، لكن بسرعتين مختلفتين في الوصول إلى الحقوق والفرص.

ويمكن أن أسوق هنا عشرات الأمثلة عن الجهات التي تعاني من تفاوتات صارخة بالمنطق الذي تحدثت عنه ،وأكتفي هنا بأقرب جهة إلى الساحل وأغناها ربما ،ويتعلق الأمر بجهة الدارالبيضاء سطات ،فبمجرد أن تحول الاتجاه من الطريق السيار نحو الطرق الوطنية أو الجهوية أو الإقليمية ،فإنك ستفاجأ ببنية طرقية مهترئة ،وبمدن غير مؤهلة، وبخدمات أساسية واجتماعية ناقصة وبتجهيزات ضعيفة وببنية رقمية متفاوتة تكرس بالفعل منطق السرعتين.
-وعودا على بدء ،نقول بأن لا أحد يجادل في أهمية المشاريع الكبرى. فالمغرب يحتاج إلى بنيات تحتية كبرى، وإلى موانئ ومطارات وطرق ومناطق صناعية ومشاريع استثمارية قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل.

لكن المشروع التنموي لا يمكن أن يختزل في الإسمنت والخرسانة.

فالطريق التي تفك العزلة عن قرية جبلية، والمدرسة التي تمنع انقطاع فتاة عن الدراسة، والمركز الصحي الذي يقرب العلاج من سكان منطقة نائية، وشبكة الماء أو النقل التي تغير شروط الحياة اليومية،وتمكين كل المغاربة من العدالة الرقمية كلها مشاريع تنموية لا تقل أهمية، من حيث أثرها الاجتماعي، عن المشاريع الكبرى.

لذلك ينبغي أن ننتقل من سؤال: كم أنجزنا؟ إلى سؤال أكثر أهمية: من استفاد؟ ومن لم يستفد؟ ولماذا؟، ومن سؤال حجم الاستثمار إلى سؤال أثره على تقليص الفوارق.

إن العدالة المجالية لا تعني أن تحصل كل الجهات والجماعات على الإنجاز أو المشروع نفسه، وإنما أن تحصل كل منطقة على ما تحتاجه فعلا حتى تتقارب شروط العيش والفرص.

فالمنطقة الجبلية قد تحتاج إلى طريق ومسلك ونقل مدرسي ومدرسة داخلية أكثر مما تحتاجه مدينة تتوفر أصلا على هذه الخدمات.

والجماعة القروية قد تكون أولويتها الماء والتطهير والربط الطرقي، بينما تكون أولوية المدينة النقل والسكن والتشغيل.
لذلك فإن منطق الإنصاف ليس هو التوزيع الحسابي المتساوي، وإنما هو توزيع عادل يأخذ بعين الاعتبار الحاجات والخصوصيات والإمكانات.

من هذا المنطلق ،يشكل «الذكاء الترابي» طريقة جديدة في التفكير في التنمية ،على اعتبار أن الجيل الجديد من السياسات الترابية ينبغي أن يقوم على التشخيص الدقيق، وقواعد البيانات المحينة، والإنصات إلى الفاعلين المحليين، والتنسيق بين القطاعات، وربط المشاريع ببعضها، ثم التقييم المستمر لمدى تحقيقها للأهداف.

فالذكاء الترابي يعني، في جوهره، الانتقال من منطق «ماذا سننجز؟» إلى منطق «ماذا يحتاج هذا المجال تحديدا؟ وكيف نحقق فيه أكبر أثر ممكن؟»
وهذا يقتضي أيضا إشراك الجماعات الترابية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والجامعات ومراكز البحث، لأن التنمية لا يمكن أن تكون فعالة إذا صيغت من طرف واحد ونفذت بمنطق قطاعي متفرق.

فلا معنى لمدرسة جديدة من دون نقل مدرسي، ولا لمستشفى من دون موارد بشرية وتجهيزات،، ولا لمنطقة صناعية من دون تكوين ومهارات، ولا للاستثمار إذا لم يتحول إلى قيمة مضافة وفرص شغل وثروة محلية.

وهنا لابد من التعريج على المناطق الجبلية والمناطق الواحية التي تختزل بشكل واضح إشكالية العدالة المجالية.

فالجبال ليست مجرد مناطق تعاني من صعوبة التضاريس وبعد المسافات؛ إنها خزان استراتيجي للمياه، والثروات الطبيعية، والتنوع البيولوجي، والتراث الثقافي.

ومن غير المنطقي أن تستفيد البلاد من موارد الجبل، بينما تظل ساكنته في مواجهة العزلة والهشاشة وضعف الخدمات ، وكذلك الشأن بالنسبة للمناطق الواحية التي تختزل عمقا تاريخيا وثقافياواقتصاديا واجتماعيا وبيئيا ،لكنها اليوم مهددة بالاضمحلال بفعل هجرة الساكنة التي تعاني من ضعف موارد العيش ،بل من التهديد الدائم للحرائق واجتتاث ماتبقى منها.

وهنا يبرز مفهوم التمييز المجالي الإيجابي باعتباره مدخلا للإنصاف، من خلال توجيه استثمارات أكبر إلى المجالات التي تعاني من خصاص أكبر، وربط استغلال الموارد الطبيعية بتحقيق قيمة مضافة لفائدة السكان والمجالات التي تحتضنها.

إن العدالة المجالية لا تعني فقط أن نصل إلى الجبل والواحة، وإنما أن نجعل منهما مجالا للحياة والاستقرار والاستثمار.

لقد أصبح واضحا أن التحدي لم يعد في إنتاج المزيد من البرامج فقط، وإنما في ضمان التقائية السياسات العمومية ونجاعة تنفيذها.

فما أحوج بلادنا إلى تكامل السياسة الاجتماعية مع السياسة الترابية، والتقائية الاستثمار مع التشغيل، وتكامل البنية التحتية مع الخدمات، وأن يصبح الماء والتعليم والصحة والنقل والاستثمار أجزاء من رؤية واحدة، لا برامج منفصلة.

كما نحتاج إلى تقييم السياسات العمومية ليس فقط بما أنفقته من أموال وبما أنجزته من مشاريع، وإنما بما أحدثته من أثر فعلي على المواطنين ،
إن المغرب الذي نريد ليس مغربا بلا اختلاف.

وليس المطلوب أن تصبح جميع الجهات متشابهة، ولا أن تسير جميع المجالات بالوتيرة نفسها في كل شيء ،بل المطلوب أن تسير كلها في الاتجاه نفسه: نحو مغرب تتقارب فيه شروط العيش، وتتساوى فيه الحقوق، وتتراجع فيه الفوارق، ويصبح فيه عنوان السكن أقل تأثيرا في تحديد مستقبل المواطن.

لقد آن الأوان للانتقال من سؤال: «أين أنجزنا؟» إلى سؤال: «من استفاد؟»
ومن سؤال: «كم استثمرنا؟» إلى سؤال: «كم قلصنا من الفوارق؟»
ومن منطق المشاريع المتفرقة إلى منطق التنمية المندمجة.

ذلك هو التحول المنشود من «مغرب السرعتين» إلى مغرب بسرعة وطنية واحدة؛ قد تختلف فيه المسالك والوسائل بحسب خصوصية كل مجال، لكن لا تختلف فيه الوجهة.
فالمغرب واحد، والشعب واحد، والمصلحة الوطنية واحدة.
وينبغي أن تكون التنمية، في غاياتها وآثارها، كذلك.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail