بعد نشر قانون المحاماة.. نقيب الرباط: النضال مستمر بآليات مشروعة

أش بريس – متابعة

في موقف لافت عقب نشر القانون المنظم لمهنة المحاماة بالجريدة الرسمية، اختار نقيب هيئة المحامين بالرباط، الأستاذ عزيز ارويبح، أن يوجه رسالة واضحة إلى زميلاته وزملائه، عنوانها الأبرز: انتهاء المسار التشريعي لا يعني انتهاء النضال المهني.

وفي تدوينة نشرها على صفحته، استحضر النقيب ارويبح حجم المرارة والاحتقان الذي رافق مسار إعداد القانون، معتبرا أن المحامين خاضوا خلال الأشهر الماضية معركة دفاع عن استقلال المهنة وكرامتها ومكانتها داخل منظومة العدالة.

لكن اللافت في رسالة النقيب أنه، رغم لهجة المرارة الواضحة، لم يدفع باتجاه العصيان أو الخروج عن المشروعية، بل حاول رسم معالم المرحلة المقبلة بدقة.

فقد أكد أن المحامين «ليسوا عدميين إلى حد اعتبار أن شيئا لم يقع، وليسوا مغامرين إلى حد العصيان، وليسوا ضعفاء إلى حد الشعور بالهزيمة والاستسلام»، في عبارة تختصر إلى حد كبير طبيعة المرحلة التي تجد فيها المهنة نفسها بعد دخول القانون حيز النشر الرسمي.
وبذلك، تبدو الرسالة المهنية الجديدة قائمة على معادلة واضحة: لا تراجع عن الموقف، ولا خروج عن القانون.

وهو تحول مهم في الخطاب، لأن نشر القانون في الجريدة الرسمية أغلق عمليا مرحلة التشريع، وفرض على المؤسسات المهنية التعامل مع واقع قانوني جديد، دون أن يعني ذلك إسدال الستار على المطالبة بتعديله أو مراجعة بعض مقتضياته أو استعمال الآليات القانونية والمؤسساتية المتاحة.

كما شدد النقيب ارويبح على أن النضال سيستمر «بالقوة اللازمة والآليات المشروعة المناسبة»، وهو ما قد يفتح المجال أمام مرحلة جديدة من الترافع المهني والقانوني والمؤسساتي، بدل الاكتفاء بأشكال الاحتجاج التي طبعت المرحلة السابقة.

وهنا تبرز دلالة العبارة التي اختارها عنوانا ضمنيا لرسالته: «حتى لا تتعطل لغة الكلام».
فبعد أشهر من التوتر والتوقف عن تقديم الخدمات المهنية، وتبادل المواقف والانتقادات، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحا إلى استعادة لغة الحوار، دون أن يعني ذلك أن المحامين تخلوا عن مطالبهم أو قبلوا بكل مقتضيات القانون.

فالخلاف يمكن أن يستمر، لكن أدوات إدارته يمكن أن تتغير.
وفي هذا السياق، فإن التحدي الحقيقي أمام المؤسسات المهنية لا يتمثل فقط في الحفاظ على وحدة الصف، وإنما أيضا في تحويل هذه الوحدة من قوة احتجاجية إلى قوة اقتراح وتفاوض وترافع.

كما أن المسؤولية لا تقع على المحامين وحدهم.

فالمرحلة المقبلة تحتاج، من جانب المؤسسات الحكومية والتشريعية أيضا، إلى قدر من الانفتاح على الملاحظات المهنية، خصوصا وأن قانونا ينظم مهنة ترتبط مباشرة بحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد نص تشريعي مغلق، وإنما باعتباره إطارا قانونيا قابلا للتقييم والمراجعة والتطوير كلما كشفت الممارسة عن اختلالات أو صعوبات في التطبيق.

فالقانون، مهما بلغت قوة إلزاميته، يظل في نهاية المطاف جزءا من منظومة تشريعية قابلة للتطوير والتعديل، خصوصا عندما تكشف الممارسة العملية عن مقتضيات تحتاج إلى مراجعة أو عن آثار لم تكن واضحة أثناء مرحلة التشريع.

لقد انتهت معركة القانون من حيث المسار التشريعي، لكن معركة الثقة لم تنته بعد.
وهذا ربما هو أهم ما يمكن استخلاصه من تدوينة نقيب هيئة المحامين بالرباط.

فالمحامون لا يريدون، وفق مضمون الرسالة، أن يتعاملوا مع نشر القانون بمنطق «لم يحدث شيء»، كما أنهم لا يريدون تحويل الخلاف إلى مواجهة مفتوحة بلا أفق.

بين الإنكار والعصيان والاستسلام، هناك خيار رابع: نضال مهني مسؤول، داخل المؤسسات، وبالأدوات التي يتيحها القانون.

وإذا كان القانون قد أصبح واقعا، فإن المستقبل سيحدد مدى قدرة الجميع على تحويل هذه الأزمة، التي استنزفت المهنة ومؤسسات العدالة على مدى أشهر، إلى فرصة لإعادة بناء الثقة وفتح صفحة جديدة.

فالمطلوب اليوم ليس أن يبحث كل طرف عن إعلان انتصاره على الآخر، بل أن يبحث الجميع عن مخرج يحفظ للمحاماة استقلالها وكرامتها، وللمؤسسات احترامها، وللمتقاضي حقه في عدالة فعالة.

القانون نشر، وانتهى مساره التشريعي، لكن معركة المحاماة لم تنته.
فقد تتغير أدوات النضال، وقد تتغير ساحاته، لكن المطالب المهنية لا تختفي بمجرد نشر نص في الجريدة الرسمية.

واليوم، تبدو الرسالة التي أراد نقيب الرباط توجيهها واضحة: لا إنكار للواقع الجديد، ولا استسلام له، ولا خروج عن المشروعية.
فالسؤال لم يعد: من انتصر ومن انهزم؟ بل: هل يستطيع الجميع إعادة فتح باب الحوار قبل أن تتعطل لغة الكلام؟.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail