أوزين يصر على تمغربيت جداراً في مواجهة انحدار الخطاب
✍️عبدالباسط لطفي
ليست المعركة التي يخوضها محمد أوزين، كما يقدمها في خرجاته ومواقفه، معركة ضد الصحافة، ولا معركة ضد حرية التعبير. إنها معركة قيم، معركة من أجل استعادة المعنى الحقيقي للكلمة، ومن أجل الدفاع عن منظومة قيم تعتبر جزءاً من هوية المغرب، أو ما عرفناه في خطابنا نقلا عن المرحوم الحسن الثاني طيب الله ثراه بتمغربيت.
فتمغربيت، في هذا التصور، ليست مجرد انتماء جغرافي، ولا شعاراً سياسياً يرفع عند الحاجة، بل هي ثقافة متجذرة تقوم على احترام الإنسان، وصيانة الكرامة، وحفظ الأعراض، والاختلاف بأدب، والنقد بالحجة، والاحتكام إلى المؤسسات والقانون بدل التشهير والإدانة في الفضاء الرقمي، والرقي الصحفي.
لقد ظل محمد أوزين الأمين العام لحزب الحركة، يؤكد أن حرية الصحافة مكسب ديمقراطي لا يجوز المساس به، لكنه يميز في الوقت نفسه بين صحافة التحقيق التي تبحث عن الحقيقة وتُخضع المعلومات للتدقيق، وبين صحافة التشهير التي تقوم على الإثارة، والعناوين الصادمة، وإشعال الرأي العام قبل اكتمال الوقائع. ومن هذا المنطلق فإن الدفاع عن حرية التعبير لا يمكن أن يكون مبرراً للتخلي عن أخلاقيات المهنة أو عن احترام الحياة الخاصة وقرينة البراءة. فالمجتمع المغربي لم يكن يوماً مجتمعاً يحتفي بالتشهير. فمنذ قرون، بُنيت منظومته القيمية على مبدأ “الستر”، وعلى احترام سمعة الناس، وعلى عدم الخوض في الأعراض ولو حتى ببينة. ولذلك، فإن استحضار تمغربيت في هذا النقاش لا يعني رفض النقد أو محاسبة المسؤولين، وإنما يعني رفض تحويل حياة الأشخاص إلى مادة للفرجة، أو استبدال التحقيق المهني بمنطق الإثارة، أو تقديم الانطباعات على أنها أحكام نهائية.
وفي خضم هذا النقاش، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: ما الغاية من الدعم العمومي السمين الغليظ للإعلام؟ فالدولة، حين ترصد اعتمادات مالية لدعم القطاع، لا تفعل ذلك من أجل رفع نسب المشاهدة أو تكريس المنافسة على العناوين الأكثر بهرجة, وإنما من أجل المساهمة في بناء إعلام مهني، متعدد، ومستقل، يخدم حق المواطن في المعلومة الدقيقة، ويعزز الثقة في المؤسسات الإعلامية. ومن هنا، فإن النقاش حول علاقة الدعم العمومي بجودة الممارسة الصحفية يظل نقاشاً مشروعاً في دولة المؤسسات. فكل درهم من المال العام يقتضي، في المقابل، التزاماً أكبر بأخلاقيات المهنة، وبالتحقق من الوقائع، بدل الغوص في اعراض وتمييع اللااخلاق.
إن محمد أوزين، كما نعرفه يحاول أن ينقل النقاش من دائرة الأشخاص إلى دائرة المبادئ. فالقضية، ليست من انتقد هذا أو ذاك، بل كيف يُمارس النقد، وبأي أدوات، وتحت أي سقف أخلاقي. فالإعلام الذي يراقب ويسلط الضوء على الاحداث ليقيم ويقوم الاعوجاجات ان كانت، لكنه يفقد جزءاً من رسالته عندما تتحول الإثارة إلى غاية في ذاتها، أو عندما يصبح السباق إلى الانتشار أهم من التثبت من الوقائع.
لقد علمتنا التجارب أن الصحافة التي تعيش على الضجيج قد تحقق انتشاراً سريعاً، لكنها لا تبني ثقة طويلة الأمد. أما الصحافة التي تجعل الحقيقة معيارها الأول، فإنها قد تتأخر في النشر، لكنها تظل أكثر قدرة على الصمود أمام اختبار الزمن. ولهذا، فإن رد الاعتبار لأخلاقيات المهنة، وإلى إعلام يراقب السلطة دون أن يتحول إلى سلطة فوق القانون، وينتقد المسؤولين دون أن يجعل من التشهير بديلاً عن الحجة، ويكشف الاختلالات دون أن يمس كرامة الناس أو يحاكمهم خارج المؤسسات أصبح ضرورة قصوى.
إن تمغربيت، في نهاية المطاف، ليست خطاباً عاطفياً، بل هي منظومة أخلاقية تجعل الإنسان محور الاهتمام، وتحترم كرامته حتى في لحظة الاختلاف معه. ولذلك، فإن أي نقاش حول مستقبل الإعلام المغربي لا ينبغي أن ينحصر في سؤال الحرية وحده، بل يجب أن يطرح، بالقدر نفسه من الوضوح، سؤال المسؤولية. فالكلمة الحرة تكتمل فقط عندما تكون كلمة مسؤولة، والحقيقة لا تصبح أكثر قوة بالصراخ والبهرجة والتشهير، وإنما بالدليل، والإنصاف، واحترام الإنسان.

































