العجز عن إسقاط الفكرة ومحاولة إسقاط صاحبها

✍️ محمد مشهوري

ليس أكثر إزعاجا لخصوم الحركة الشعبية من أن يجدوا حزبا يواصل حضوره في المشهد السياسي رغم كل محاولات الاستهداف. لذلك، كلما ضاقت مساحة النقاش السياسي، اتسعت مساحة التشهير، وكلما غابت الحجة، حضرت الرواية المتخيلة والمفبركة.

المقال الأخير لإدريس شحتان ليس حدثا سياسيا، ولا سبقا صحفيا، بقدر ما هو نموذج لتحويل الخلاف السياسي إلى خصومة شخصية. فمنذ السطر الأول، يدرك القارئ أن الكاتب لا يبحث عن إقناع العقل، بل عن إثارة الانفعال، ولا يراهن على قوة الدليل، بل على كثافة الإيحاء.

المفارقة أن المقال يعلن الاحتكام إلى القضاء، لكنه في الوقت نفسه يصدر أحكامه الخاصة، وكأن المواقع وصفحات التواصل الاجتماعي أصبحت بديلا عن قاعات المحاكم. وإذا كان الجميع يحتكم إلى القضاء، فلماذا تكتب المرافعات في الفضاء الرقمي قبل أن تكتب الأحكام في ملفات القضاء؟.

لقد كان حريا بشحتان الذي يدعي امتلاك ملفات أن يقدم للرأي العام وثائق قاطعة أو معطيات جديدة ذات صلة بالشأن العام، فإذا بالقارئ يجد نفسه أمام خليط من الإشارات، والاستنتاجات، واستدعاء الأنساب والقرابات، وإقحام وقائع تاريخية وشخصيات راحلة في تدافع سياسي معاصر. وما علاقة كل ذلك بمستقبل المغاربة أو بمستوى النقاش الديمقراطي؟.

إن الإعلام الحقيقي ليس بحثا في شجرات الأنساب، ولا مسابقة في الحكايات والأزليات التي لا مكان لها سوى في المخيال. التدافع يتمثل في البرامج، والمواقف، والحصيلة، ورؤية للمستقبل. ومن عجز عن مناقشة المشروع، لجأ إلى الشخص؛ ومن عجز عن مجادلة الفكرة، حاول النيل من صاحبها.
ولعل أكثر ما يثير الاستغراب هو أن شحتان لا يناقش ما يقوله محمد أوزين عن تضارب المصالح وعن الفراقشية وعن التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة وغيرها من القضايا، بل يناقش معارف أوزين، وأصهار أوزين، وكأن الأزمة الحقيقية في المغرب ليست التعليم والصحة والشغل والقدرة الشرائية، بل العلاقات الاجتماعية للأشخاص. وهنا يتحول النقاش من السياسة إلى الفرجة، ومن التحليل إلى الإثارة.

ولأن الحركة الشعبية حزب عريق، فقد تعود مناضلوه على مثل هذه الحملات. فمنذ تأسيسه، كان الحزب عرضة للنقد، وأحيانا للهجوم، لكنه ظل يقاس بما يقدمه للوطن، لا بما يكتب عنه خصومه. أما الحملات الإعلامية، فهي تعيش عمر العناوين، بينما تعيش الأحزاب بتاريخها، وبثقة مناضليها، وبقدرتها على تجديد نفسها.

إن النقد حق، بل ضرورة في أي ديمقراطية حية، لكن التشهير ليس نقدا، والإيحاء ليس دليلا، وتكرار الادعاء لا يحوله إلى حقيقة. فالحقيقة لا يصنعها الضجيج، ولا يثبتها الانفعال، وإنما يحسمها الدليل والقانون.

ويبقى السؤال الذي ينتظر المغاربة جوابه: ماذا أضاف مقال شحتان كسائر مقالاته ومحتويات موقعه إلى النقاش الوطني؟ هل قدم حلا لمعضلة البطالة؟ هل اقترح رؤية لإصلاح المدرسة العمومية؟ هل ناقش أزمة الصحة أو الفوارق المجالية أو معاناة الشباب؟ أم أنه اكتفى بإنتاج ضجيج جديد يملأ الفضاء الافتراضي، ثم يختفي تاركا القضايا الحقيقية في مكانها؟.

لهذا، فإنني كصحافي ورائي أكثر من أربعين سنة في مهنة المتاعب، أرفض الانجرار إلى معارك الأشخاص، لأنني أؤمن بأن الفوز في النقاش يتم بلغة الإقناع واكتساب ثقة المواطنين بالأفكار والعمل الميداني، لا بردود الفعل الانفعالية. وسأبقى مقتنعا بأن الكلمة التي تبني الوطن أقوى من الكلمة التي تهدم الأشخاص، وأن الرأي العام المغربي أصبح أكثر وعيا من أن يخلط بين النقد المسؤول وحملات التشهير.

فالسياسة كما الإعلام أخلاق قبل أن تكون صراعا، والديمقراطية مسؤولية قبل أن تكون منبرا، والتاريخ لا يتذكر من أحدث أكبر ضجيج، بل من ترك أكبر أثر.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail