تدبير حكومي بلا بوصلة.. حين تفشل الحكومة في مسايرة إيقاع الأوراش الكبرى التي يقودها الملك
✍️ الدكتور يوسف الغزيزال
تتوج الخطابات الملكية السامية دائماً بإرساء قواعد صلبة ومستدامة تهدف إلى خدمة المواطن وتحقيق التنمية الشاملة التي تبشر بانتقال نوعي في فلسفة التدبير الترابي، حيث تعكس البرامج الجديدة قطيعة واضحة مع الأساليب الكلاسيكية البيروقراطية التي أثبتت عجزها وفشلها الذريع في مواكبة تطلعات المجتمع ومواجهة التحديات الاجتماعية الملحة. إن الرهان الملكي القائم على جعل المواطن شريكاً أساسياً وحقيقياً في صياغة ومناقشة وتتبع تنفيذ المشاريع يضع المؤسسات الحكومية والمنتخبة أمام امتحان عسير يبرز حجم الهوة السحيقة بين التوجيهات الملكية المتبصرة والتنفيذ البيروقراطي الميداني الذي غالباً ما يتعثر بفعل الحسابات الضيقة وضعف الكفاءة وغياب الجدية والنزاهة في تنزيل السياسات العمومية.
لقد أبانت الممارسة الميدانية عن قصور بنيوي ومؤسساتي للحكومة والقطاعات الوصية في مجاراة السرعة والنجاعة التي يفرضها التحول الكبير في السياسات العامة، إذ ظلت التدابير الحكومية حبيسة المقاربات التقليدية المتجاوزة التي تكتفي بالوعود الواهية والخطابات الاستهلاكية دون أثر حقيقي ملموس على حياة المواطنين في قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والتشغيل.
ورغم الغلاف المالي الضخم والاعتمادات المرصودة للبرامج التنموية، إلا أن تداخل الاختصاصات والتهرب من المسؤولية وتغليب المصالح الشخصية والحزبية ساهم في إفشال الغايات النبيلة لهذه الورش الكبرى، مما جعل المواطن يفقد الثقة تدريجياً في قدرة المجالس المنتخبة على الوفاء بالتزاماتها وتعهداتها التنموية.
إن إحداث شركات التنمية الجهوية ووكالات تنفيذ المشاريع جاء كمحاولة استدراكية لتجاوز عقم الإدارات العمومية التقليدية، إلا أن غياب آليات المراقبة الصارمة والمحاسبة الفعالة حوّل هذه الهياكل الجديدة في كثير من الأحيان إلى مجرد واجهات أخرى لإهدار المال العام وتكريس زبونية الصفقات بعيداً عن أهداف التنمية المندمجة.
فبدلاً من أن تشكل هذه الآليات رافعة حقيقية للتطور الاقتصادي والاجتماعي، اصطدمت بضعف الكفاءات التدبيرية وتفشي مظاهر الريع والبطء الإداري، مما يؤكد بالملموس أن الأزمة لم تكن قط يوماً أزمة نصوص قانونية أو إمكانيات مالية، بل هي أزمة إرادة سياسية حقيقية وعجز حكومي بنيوي عن الارتقاء إلى مستوى التطلعات الملكية السامية ومواكبة التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب.
وعليه، يبقى النجاح الحقيقي للسياسات الترابية مرهوناً بحدوث ثورة أخلاقية ومؤسساتية تجبر الفاعلين السياسيين والمسؤولين الحكوميين على الانخراط بجدية ومسؤولية تامة في تنزيل التوجيهات الملكية، بعيداً عن منطق الحسابات السياسوية الضيقة والمصالح الشخصية البحتة. فالوطن اليوم بحاجة ماسة إلى نخبة سياسية قادرة على ترجمة الأقوال إلى أفعال ملموسة، وإلى إدارات عمومية تتسم بالشفافية والنجاعة والمساءلة المستمرة، حتى لا تظل المبادرات الملكية السامية رهينة لعجز حكومي مستشري يقف عائقاً أمام تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية المنشودة.

































