الهجرة الجماعية.. أزمة دبلوماسية أم صرخة إنسان مقهور؟!

✍️ الدكتور يوسف الغزيزال
هل تعيش العلاقات المغربية الإسبانية على وقع أزمة صامتة أم أن التاريخ يعيد إنتاج نفسه بأدوات أخرى؟ سؤال يفرض نفسه بإلحاح على مائدة النقاش السياسي اليوم، خاصة حين تتقاطع مشاهد الهروب الجماعي لآلاف الشباب نحو الثغر المحتل مع تعقيدات الدبلوماسية السرية والعلنية بين الرباط ومدريد. ليس خافياً على أحد أن الذاكرة السياسية لا تزال تحتفظ بتفاصيل أزمة عام ألفين وواحد وعشرين، حين تحولت المعابر الحدودية إلى رسائل سياسية مكشوفة على خلفية استقبال زعيم جبهة البوليساريو، قبل أن تتدخل الدبلوماسية الإسبانية لتصحيح المسار عبر الاعتراف بمقترح الحكم الذاتي.
وتكرر السيناريو ذاته في صيف عام ألفين وربعة وعشرين عبر دعوات رقمية غير مسبوقة للفرار الجماعي، لتتجدد اليوم ذات التساؤلات حول ما إذا كان التقارب الأخير بين رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز والجزائر قد أثار حفيظة الرباط، مما دفعها لاستخدام ورقة الضغط التقليدية لضبط إيقاع التحالفات الإقليمية.
غير أن قراءة هذه الظاهرة بمعزل عن سياقها الاجتماعي الصرف سجعلها تبدو قاصرة عن إدراك عمق المأساة، فهؤلاء الشباب الذين يغامرون بأرواحهم في عرض البحر أو فوق الأسوار الإسمنتية لا يتحركون بالضرورة وفق أجندات رسمية أو حسابات جيوسياسية، بل ينطلقون من إيمانهم المطلق بحقهم التاريخي والطبيعي في البحث عن ملاذ آمن على أرض يرتادونها خارج حدود الجغرافيا السياسية التقليدية، متجاوزين التصنيفات القانونية لمفهوم الهجرة غير النظامية ليصنعوا هروبهم الخاص نحو أفق أرحب. وتتأطر هذه المفارقة القاسية في رمزية زمنية بالغة الدلالة، إذ تتزامن طوابير الهاربين مع ظرفية حساسة ، تصطدم مع صور قاصرين ونساء وشبان يلقون بأنفسهم في الأمواج مع لغة الأرقام والمنجزات الكبرى التي تزخر بها الخطابات الرسمية.
وهنا ينفتح الجرح الأعمق على إشكالية التنمية والاختيارات الاستراتيجية الكبرى التي طبعت العقدين الأخيرين، حيث يتساءل الشارع بيأس عما إذا كان الاستثمار المفرط في البنيات التحتية والواجهات العمرانية قد جاء على حساب بناء الإنسان وتأهيله، ليتولد هذا المنسوب المرعب من الإحباط الذي يدفع طاقات الأمة نحو خيار الانتحار الجماعي هرباً من واقع معيشي ضاقت فيه السبل.
إنها معادلة معقدة تتشابك فيها خيوط السياسة الخارجية بصراعات النفوذ، مع تداعيات سياسات داخلية عجزت عن ردم الهوة بين الوعود الكبرى وحقيقة المأساة اليومية، ليبقى السؤال الأهم معلقاً بين رحمة البحر وقسوة اليابسة: هل هي مجرد غضبة دبلوماسية عابرة ترتدي قناع الهجرة، أم أنها التعبير الأخير عن أزمة نموذج بأكمله بلغ مداه الأقصى؟,

































