جغرافيا اليأس: حين تُسائل شواطئُ الشمال شعاراتِ التنمية بين صرامة الحراسة وضياع الآمال.. لماذا يفقد الشباب رهان البقاء؟

✍️حمزة بلخير

ليس المثير للانشغال اليوم هو رصد الأرقام اليومية للذين حاولوا العبور نحو سبتة المحتلة، ولا تتبع التفاصيل الميدانية لإحباط تلك المحاولات على خطوط التماس. السؤال الشديد الجدية، والذي يفرض نفسه بحدة على المشهد الوطني، يتعلق بالدوافع الذاتية والبنيوية التي تجعل شاباً في مقتبل العمر يرى في المخاطرة بحياته خياراً أقلم قسوة من الاستمرار في واقعه.

إن سبتة ليست الفردوس الموعود، ولا هي الحلم الاقتصادي المبهر بحدودها الضيقة وإمكاناتها المحصورة؛ لكنها بالنسبة لقطاع واسع من الشباب أضحت ترمز لشيء واحد يفقدونه في بيئتهم المحلية: إمكانية البداءة من جديد. وهنا تجلى الإشكال الاجتماعي العميق، عندما تتحول الرغبة في المغادرة إلى قناعة جماعية تجعل السياج الحدودي يبدو كأنه البوابة الوحيدة نحو المستقبل.

من السهل دائماً إرجاع الظاهرة إلى عوامل خارجية، كشبكات الوساطة، أو التأثير المباشر لوسائل التواصل الاجتماعي، أو دعوات التحريض العابرة للشاشات. غير أن هذا التبسيط يتجاهل حقيقة أن القرارات الحتمية التي تم

س الحياة لا تُتخذ لمجرد الاقتناع بمنشور أو تحريض زائف، بل تتشكل نتيجة تراكمات طويلة من فقدان الثقة في النجاعة الاجتماعية للسياسات القائمة.
إن الاكتفاء بالمعالجة الأمنية — رغم أهميتها وواجب الدولة في حفظ النظام والحدود — يظل حلاً موضعياً لا يلامس أصل المشكلة. فالحواجز والدوريات قد تمنع الجسد من العبور، لكنها لا تمنع الفكرة من التكرار؛ والتحدي الحقيقي أمام أي تجربة تنموية لا يكمن في قدرتها على حراسة المنافذ الحدودية فحسب، بل في قدرتها على استيعاب طاقات أبنائها وحماية تطلعاتهم داخل أرضهم.

وهنا تبرز الفجوة بوضوح بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني. فبعد سنوات من تداول مفاهيم من قبيل “الدولة الاجتماعية”، والعدالة المجالية، واستراتيجيات التشغيل، تأتي المشاهد المتكررة في مدن الشمال لتضع هذه المفاهيم أمام اختبار النجاعة الحقيقية. إذ كيف لسياسات عمومية تُقدم في البلاغات والتقارير على أنها ناجحة، أن تفشل في إقناع الفئات المستهدفة منها بالبقاء والاستثمار في وطنهم؟.

إن الاختبار الحقيقي لأي مشروع تنموي لا يقاس بحجم المشاريع المسطرة، بل بمدى قدرته على بناء الأمل وغرس الشعور بالانتماء والكرامة. وحين يغدو طموح كفاءات أو شباب في مقتبل عمرهم متلخصاً في البحث عن فرصة للابتعاد، فإن الخلل لا يكون حينها في خط الحدود، بل في نجاعة البرامج والخيارات التي أوصلت الواقع إلى هذه النقطة.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail