دوزيم “2M” على إيقاع الأغلبية.. حين تتحول الصورة إلى موقف سياسي

✍️زهير أصدور

في الأنظمة الديمقراطية، لا تقاس نزاهة الإعلام العمومي فقط بما يقوله، بل أيضا بمن يمنحه الصورة، ومن يمنحه الكلمة، وكيف يرتب الحضور داخل الفضاء البصري والرمزي. فالصورة ليست تفصيلا تقنيا، بل موقفا تحريريا كاملا، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتغطية نشاط سياسي رسمي يجمع بين الأغلبية والمعارضة تحت سقف الدولة وعلى قدم المساواة.

ما بثته القناة الثانية “2M” مساء أمس الخميس، بخصوص اللقاء الذي دعا إليه وزير الداخلية مع قادة ومسؤولي الأحزاب السياسية التي تتوفر على فريق أو مجموعة برلمانية، يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترام الإعلام العمومي لمبادئ التعددية والتوازن والحياد المنصوص عليها في دفاتر التحملات المؤطرة للاتصال السمعي البصري بالمغرب.

القناة اختارت أن تبدأ تغطيتها برئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، ثم منحته الكلمة، تلاه حزب الأصالة والمعاصرة، ثم حزب الاستقلال، مع تركيز واضح على صور قادة أحزاب الأغلبية وتصريحاتهم، وكأن الأمر يتعلق بتغطية نشاط حزبي خاص بالأغلبية الحكومية، لا لقاء مؤسساتي دعت إليه وزارة الداخلية في إطار مشاورات سياسية تهم جميع الفرقاء السياسيين دون تمييز.

غير أن الاختلال لم يقف عند هذا الحد، بل امتد إلى طريقة التعامل مع أحزاب المعارضة، حيث اختفى منطق الترتيب الذي اعتمد مع الأغلبية، ولم تحترم القناة لا الكرونولوجيا السياسية ولا التمثيلية البرلمانية ولا حتى الحد الأدنى من الإنصاف البصري. فالمعارضة لم تحظ بنفس الحضور الرمزي، لا من حيث مدة التصريحات، ولا من حيث إبراز قادتها داخل الصورة، وكأن هناك إرادة ضمنية لصناعة مركز سياسي داخل الإعلام العمومي يمنح الشرعية لبعض الفاعلين ويحجبها عن آخرين.

وهنا يطرح السؤال الجوهري: هل تحولت بعض وسائل الإعلام العمومي إلى امتداد غير معلن للأغلبية الحكومية؟ وهل أصبح ترتيب الصورة والزمن التلفزي أداة لإعادة تشكيل الوعي السياسي لدى المشاهد، بشكل ناعم وغير مباشر؟

دفاتر التحملات واضحة في هذا الباب، إذ تلزم متعهدي الاتصال السمعي البصري العمومي بضمان التعددية السياسية والإنصاف بين مختلف التعبيرات السياسية، خاصة خلال الفترات السابقة للاستحقاقات الانتخابية. كما أن الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري أكدت مرارا أن مبدأ التوازن لا يقتصر فقط على احتساب الثواني والدقائق، بل يشمل أيضا شروط الظهور، وطبيعة التقديم، وترتيب التدخلات، والحيز الرمزي داخل المادة الإعلامية.

والأخطر في ما وقع، أن الأمر لا يتعلق بتغطية نشاط حكومي تنفيذي خالص حتى يبرر البعض حضور الأغلبية بشكل أكبر، بل يتعلق بلقاء سياسي تشاوري دعت إليه وزارة الداخلية باعتبارها مؤسسة دولة، يفترض فيها الوقوف على نفس المسافة من الجميع، خصوصا ونحن على أبواب انتخابات تشريعية حاسمة.

إن الديمقراطية لا تفسد فقط بالتزوير المباشر، بل قد تفسد أيضا عبر الانحيازات الصغيرة التي تتسلل إلى الصورة والخبر والزمن التلفزي، فتخلق لدى الرأي العام انطباعا بأن هناك أحزابا “أكثر شرعية” من غيرها، وأخرى لا تستحق نفس الحضور ولا نفس الاهتمام.

ومن هنا، يصبح من حق الرأي العام، ومن حق الأحزاب السياسية المعارضة، التساؤل حول المعايير المهنية التي اعتمدتها القناة الثانية في هذه التغطية، وحول مدى احترامها لمبدأ الحياد المفروض على الإعلام العمومي الممول من أموال المغاربة جميعا، لا من أموال الأغلبية وحدها.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail