اليوم العربي للإعلام .. دعوة لتعزيز المصداقية ومواكبة التحولات الرقمية من أجل إعلام مهني مسؤول
ويشكل هذا الموعد مناسبة متجددة للتأكيد على الدور المحوري الذي يضطلع به الإعلام في دعم قضايا التنمية، وتعزيز الهوية الثقافية، وترسيخ قيم الحوار والانفتاح.
تحولات رقمية وسياق تنافسي متسارع
أضحى الإعلام العربي يشتغل اليوم داخل بيئة رقمية شديدة التحول، لم تعد فيها وسائل الإعلام التقليدية هي المصدر الوحيد لتشكيل الرأي العام، بل برزت المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي كفضاءات رئيسية لإنتاج وتداول المعلومات بشكل لحظي وسريع.
وقد أدى هذا التحول إلى إعادة صياغة أسس العمل الإعلامي، حيث باتت السرعة في النشر، والتفاعل الفوري مع الأحداث، والتدفق الهائل للمحتوى، عناصر حاكمة في المشهد الإعلامي، مقابل تحديات متزايدة تتعلق بدقة المعطيات وجودة التحقق من المصادر.
وفي ظل هذا السياق، ساهم التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي في إحداث نقلة نوعية في صناعة الإعلام، سواء على مستوى إنتاج المحتوى أو معالجته أو توزيعه، لكنه في المقابل عم ق إشكالات مرتبطة بانتشار الأخبار الزائفة والمحتوى المضلل، وصعوبة التمييز بين المادة الإعلامية المهنية وتلك الموجهة أو المؤتمتة.
جهود عربية لتطوير المنظومة الإعلامية
تواصل جامعة الدول العربية، عبر مجلس وزراء الإعلام العرب، العمل على تحديث الأطر المنظمة للعمل الإعلامي المشترك من خلال إطلاق وتحيين مجموعة من المبادرات الاستراتيجية التي تستجيب لمتطلبات المرحلة الراهنة.
وتشمل هذه الجهود مراجعة الاستراتيجيات الإعلامية المرتبطة بمحاربة الإرهاب والتطرف بما يواكب التحولات التي يشهدها الخطاب الرقمي، إلى جانب تطوير الخريطة الإعلامية العربية للتنمية المستدامة 2030 كمرجعية لتعزيز مساهمة الإعلام في تحقيق أهداف التنمية، وتفعيل خطة التحرك الإعلامي في الخارج بهدف تحسين صورة العالم العربي على الصعيد الدولي.
كما أولت هذه الجهود اهتماما متزايدا بقضايا الإعلام الرقمي وما يرتبط بها من تحديات مهنية وأخلاقية، خاصة في ما يتعلق باستخدامات الذكاء الاصطناعي، حيث أدرجت هذه القضايا ضمن أولويات النقاش العربي المشترك، بالتوازي مع تعزيز التنسيق بين المؤسسات الإعلامية العربية وتشجيع التبادل الإخباري والبرامجي، بما يتيح الاستفادة من الخبرات المهنية المتراكمة داخل الفضاء العربي ويدعم تطوير محتوى إعلامي أكثر جودة وتأثيرا.
شراكات دولية وانفتاح مهني
وفي إطار الانفتاح على التجارب الدولية، عززت جامعة الدول العربية تعاونها مع عدد من الشركاء الدوليين، لاسيما من خلال الملتقى الإعلامي العربي–الصيني، في سياق ترسيخ قنوات الحوار وتبادل الخبرات المهنية بين الجانبين. وقد شكل هذا المسار امتدادا للتعاون القائم بين الجانبين في المجال الإعلامي، بما يعكس حرصا متزايدا على تطوير الشراكات القائمة على تبادل المعرفة والتجارب.
كما تم تفعيل مذكرة التفاهم الموقعة بمدينة هانغتشو سنة 2023، والتي أفرزت دينامية جديدة في مجالات التعاون، خاصة في ما يتعلق بإعلام الأزمات، والإعلام البيئي، والتغطية الإعلامية لقضايا التغيرات المناخية، إلى جانب دعم جهود إدماج التربية الإعلامية والمعلوماتية في الأنظمة التعليمية بالدول العربية، بما يعزز قدرات الأجيال الجديدة على التعامل مع الفضاء الإعلامي الرقمي بوعي أكبر.
تنظيم العلاقة مع المنصات الرقمية العالمية ومكافحة التضليل
ومن بين المستجدات البارزة، تفعيل فريق عمل عربي معني بالتعامل مع كبريات الشركات الإعلامية والتكنولوجية العالمية، بمشاركة عدد من الدول العربية، من بينها المغرب، إلى جانب اتحاد الإذاعات العربية، وذلك بهدف تعزيز حضور المحتوى العربي في الفضاء الرقمي، وتطوير آليات التعامل مع المنصات العالمية بما يضمن توازنا أكبر في تدفق المعلومات.
وفي سياق تعزيز الإطار الأخلاقي للممارسة الإعلامية، تم إطلاق مبادرة لتحديث ميثاق الشرف الإعلامي العربي خلال دورة انعقدت بـالمنامة سنة 2024، بهدف ترسيخ مبادئ المهنية القائمة على الدقة والموضوعية والمصداقية، إلى جانب التصدي لظواهر التضليل الإعلامي وخطاب الكراهية، مع احترام التعددية وصون سيادة الدول.
الاستثمار في الكفاءات والابتكار الإعلامي
ويبرز في هذا السياق رهان تأهيل الموارد البشرية كأحد المرتكزات الأساسية لتطوير الإعلام العربي، من خلال دعم التكوين المستمر للصحفيين، وتمكينهم من المهارات الرقمية الحديثة، وتعزيز قدراتهم في التعامل مع أدوات الإنتاج الإعلامي الجديدة. كما يجري تشجيع الابتكار في صناعة المحتوى، بما يسمح بخلق إعلام عربي أكثر تنافسية وقدرة على مخاطبة الجمهور بأساليب حديثة، دون التفريط في الخصوصيات الثقافية والقيم المجتمعية.
ويظل الهدف المركزي من إحياء اليوم العربي للإعلام هو ترسيخ إعلام عربي مهني ومسؤول، قادر على مواكبة التحولات المتسارعة، والتفاعل الإيجابي مع القضايا الإقليمية والدولية، بما يعزز حضور المنطقة العربية في الفضاء الإعلامي العالمي، ويدعم دور الإعلام كرافعة للتنمية والحوار والانفتاح.































