مشروع قانون المالية 2027: ميزانية تؤمن 61 مليارا ..هبطت من السماء..
✍️جاد مصلح
في الوقت الذي يبحث فيه المواطن عن 200 درهم ضاعت منه بين فاتورة الماء ودفتر المدرسة، عثرت الحكومة على 61 مليار درهم إضافية في سنة واحدة.
لم تُعلن بعدُ مكان العثور عليها، لكن المداخيل العادية للميزانية قفزت من 421,3 إلى 482,4 مليار درهم، أي بزيادة 14,5 في المائة.
وهي نسبة نمو لو حققها أي مقاول صغير لاستدعته مصالح المراقبة للإستفسار عن مصدر الثروة.
لكن حين تحققها الدولة، تُسمى «فرضيات متفائلة».
وللأمانة، يذكّرنا النص نفسه بأن هذه الأرقام مجرد توقعات قابلة للتعديل. أي أنها تشبه وعود الخطوبة: جميلة على الورق، والحساب الحقيقي يأتي بعد الزفاف..
الضريبة على الدخل: الهدية التي تدفع ثمنها
الخبر السعيد أولا: الشريحة المعفاة ترتفع من 40 ألفا إلى 60 ألف درهم سنويا، والحكومة تقول إن 87 في المائة من الأجراء سيُعفَون. كلفة هذا الكرم تُقدّر بـ5,5 مليارات درهم.
أما الخبر المحيّر فهو أن مداخيل الضريبة على الدخل سترتفع رغم ذلك، من 64,7 إلى 71,5 مليار درهم. أي أن الدولة ستُعفي الناس من الضريبة، ثم تجمع منهم ضريبة أكثر.
إنها معادلة لا يفهمها إلا خبراء المالية العمومية وبائعو «اشترِ واحدة واحصل على الثانية مجانا».
وبين الاثنين يقف الأجير، يتأمل ورقة الأداء الشهرية ويبحث عن الإعفاء كما يبحث عن مفاتيحه في الصباح.
المحروقات: 40 في المائة… ومن سيدفعها فعلا؟
يقترح المشروع رفع الضريبة على الشركات إلى 40 في المائة على شركات استيراد وتوزيع المحروقات التي يبلغ ربحها الصافي 100 مليون درهم فأكثر. ولهذا تصبح الضريبة على الشركات المورد الأول بـ126 مليار درهم.
قرار جريء، صفّق له السائقون في محطات البنزين. ثم توقفوا عن التصفيق حين تذكروا سؤالا قديما: من يدفع الضريبة في النهاية، الشركة أم الخزان؟
الخبراء منقسمون. نصفهم يقول إن الهوامش ستتقلص، ونصفهم يقول إن العداد في المحطة يعرف الجواب قبل البرلمان. أما المواطن فقد قرر الانتظار، مع إبقاء محرك سيارته مطفأ احتياطا.
الجمارك: «إدفع الآن، نتحاسب لاحقا»
ابتداء من فاتح يوليوز 2027، سيدفع مستورد السلع الموجهة للبيع على حالها تسبيقا بنسبة 5 في المائة من القيمة الجمركية. يُخصم لاحقا من الضريبة على الشركات أو على الدخل، ويُعفى منه الحاصلون على شهادة الانتظام الجبائي.
الفكرة بسيطة: الدولة لا تتهم أحدا، لكنها تفضّل أن تقبض قبل أن تسأل. إنه منطق صاحب المقهى الذي علّق لافتة «الأداء عند الطلب»، بعد أن جرّب طويلا زبائن «غدا نخلص».
وستشهد شبابيك الجمارك مشهدا جديدا: مستورد يبحث عن شهادة الانتظام الجبائي بلهفة من يبحث عن جواز سفره في المطار. ومن لا يجدها، سيكتشف أن القيمة المصرّح بها صارت مسألة تهمه مرتين. أما حصة الجمارك من الضريبة على القيمة المضافة فترتفع من 71 إلى 76,8 مليار درهم، والرسوم الجمركية إلى 19,97 مليارا. موسم عمل حافل ينتظر الجميع.
التبغ والسيجارة الإلكترونية والسيارة الفاخرة: ثلاثي الإنقاذ
إذا كانت هناك فئة تستحق وساما في هذه الميزانية، فهي فئة المدخنين. التبغ وحده سيدرّ 19,3 مليار درهم بعد 17,7 مليارا، أي أن كل سيجارة تُشعل هي مساهمة صغيرة في التوازنات الماكرو-اقتصادية.
حتى السيجارة الإلكترونية لم تنجُ: 100 درهم عن كل وحدة. كان أصحابها يظنون أنهم هربوا من الدخان التقليدي، فلحقهم الدخان الجبائي إلى البخار.
أما أصحاب السيارات الفاخرة فرسم التمبر عليهم يصعد إلى 6 و12 و18 في المائة حسب القيمة. نصيحة مجانية: إن كنت تفكر في سيارة فاخرة، فاشترِ معها سيجارة إلكترونية، لتنال شرف المساهمة مرتين في السنة نفسها.
الفرضيات: صلاة استسقاء بلغة الأرقام
تقوم الميزانية على محصول حبوب من 70 مليون قنطار، وبرميل برنت بـ75 دولارا، وطن البوتان بـ500 دولار، وتضخم في حدود 1,6 في المائة. وهي فرضيات تحتاج، لتتحقق، إلى سماء كريمة وأسواق عالمية مهذبة وجيران جيوسياسيين هادئين.
بعبارة أخرى، كُتب المشروع في وزارة المالية، لكن تنفيذه مُحال جزئيا على الأحوال الجوية. ولهذا يُنصح البرلمانيون بمتابعة النشرة الجوية بالاهتمام نفسه الذي يتابعون به التعديلات.
ولكي نكون منصفين، للحكومة حجة: إلى نهاية يونيو 2026 ارتفعت المداخيل الجبائية بـ11,8 في المائة، وحققت الضريبة على الشركات 70,8 في المائة من توقعاتها السنوية في ستة أشهر. أي أن التفاؤل هذه المرة ليس مجرد حالة نفسية، بل له كشف حساب.
خاتمة: ميزانية تقرأ الطالع
تنتهي الحكاية بعجز في حدود 88,7 مليار درهم، وحاجيات تمويل تصل إلى 159 مليارا، واقتراض متوسط وطويل الأجل ينخفض بلطف من 123 إلى 120 مليار درهم. ثلاثة مليارات أقل من الديون: إنجاز يستحق الاحتفال، لكن باعتدال، ودون مشروبات كحولية لأن رسومها ارتفعت هي الأخرى.
في النهاية، الميزانية ليست كتاب حساب بقدر ما هي رسالة أمل مرقّمة. الحكومة تأمل، والبرلمان سيعدّل، والمطر سيقرر، والمواطن سيكتشف النتيجة الحقيقية في نهاية الشهر، أمام شباك البنك أو مضخة البنزين.
وإلى ذلك الحين، فلنتفق جميعا على شيء واحد: 482,4 مليار درهم رقم جميل جدا. يكفي فقط أن يصل.


































اترك تعليقاً