✍️ الدكتور يوسف الغزيزال

إن توسيع دائرة هندسة الائتلاف الحكومي لتشمل حزب الحركة الشعبية إلى جانب قوى الكتلة الديمقراطية وحزب الأصالة والمعاصرة، يعيد صياغة المعادلة الدستورية والسياسية برمتها، من منظور تفعيل مقتضيات التمثيلية الترابية الواسعة ودمج خصوصيات العالم القروي والمناطق الجبلية في صلب “التعاقد العمومي”.
فمن الناحية المؤسساتية، لا يقتصر إدراج مكون سياسي ذي جذور ترابية عريقة على مجرد استيفاء الشروط العددية لتأمين أغلبية مريحة بالغرفتين التشريعيتين فحسب، بل يكرس مقاربة لا مركزية في صنع القرار، تستحضر إشكالية العدالة المجالية كضلع أساسي لا يتجزأ من معادلة التنمية المندمجة والدولة الاجتماعية.
 هذا التوسيع الائتلافي يفرض، من زاوية التقنين الإداري والتدبير الحكومي، إعادة هندسة الأقطاب الوزارية وتوزيع الحقائب بما يتناسب مع الكفاءات التخصصية والوزارات القطاعية الحيوية؛ كالفلاحة، والتجهيز، والتنمية القروية، والبيئة، لضمان عدم تحول التعدد الحزبي إلى تضخم في هياكل الإدارة أو تنازع في الاختصاصات يعرقل نجاعة السياسات العمومية.
غير أن إدماج حزب ذي مرجعية ترابية واجتماعية خاصة ضمن توليفه ليبرالية-اشتراكية-ديمقراطية، يضاعف من تعقيد الإشكالية الأيديولوجية والبرنامجية، مما يجعل صياغة “ميثاق الأغلبية” وميثاق التضامن الحكومي المنصوص عليه ضمن التقاليد الدستورية، اختباراً حقيقياً لمدى تماسك هذا الفسيفساء السياسي. فالتحدي القانوني هنا يكمن في خلق تسوية مؤسساتية تضمن توافقاً صارماً حول الإصلاحات الهيكلية الجوهرية، مثل إصلاح المنظومة الضريبية، وتقليص الفوارق المجالية والطبقية، دون الخضوع لمنطق الترضيات الحزبية المسبقة أو المحاصصة التقليدية التي تفرغ العمل الحكومي من نجاعته الرقابية والتنفيذية.
إن ضمان حقائب وزارية وازنة وموقع تفاوضي يلائم الثقل السياسي للحركة الشعبية داخل هذه الهندسة، يقتضي إرساء مأسسة دقيقة لآليات اتخاذ القرار داخل الأغلبية، ترتكز على عقود برامج قطاعية واضحة المعالم ومؤشرات أداء مقيدة بآجال زمنية محددة، تضمن الخضوع التام لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الدستورية والبرلمانية.
بهذا المعنى، تصبح الأغلبية الموسعة بهذا التشكيل الائتلافي فرصة تاريخية لإرساء جبهة واسعة تجمع بين متطلبات الاقتصاد المنتج وتحفيز الاستثمار والتشغيل، وبين متطلبات العدالة الاجتماعية والمجالية والإنصاف الترابي، شريطة أن تسمو الإرادة السياسية للأحزاب المشاركة فوق حسابات المواقع الوزارية الضيقة.
إن النجاح في تدبير هذا الائتلاف المتعدد الروافد رهين بمدى القدرة على تحويل التنوع الأيديولوجي والترابي إلى تكامل خلاق في السياسات العمومية، يحمي القدرة الشرائية للطبقات المتوسطة والهشة، ويدعم المقاولة الوطنية، ويعزز أركان دولة الحق والمؤسسات، لتتحول الشرعية العددية للأغلبية البرلمانية إلى شرعية ميدانية وازنة تلبي تطلعات المجتمع العميق في التنمية الشاملة والكرامة الإنسانية.