براءة اختراع مغربية: «معارضة المعارضة»..
✍️جاد مصلح
كيف تحجز مقعدك في المعارضة لتحمي حكومة لم تولد بعد..؟
في كتب القانون الدستوري، الأمر بسيط إلى درجة الملل:
حزب يفوز فيحكم، وحزب يخسر فيعارض، والشعب يتفرج على الاثنين وهو يأكل الزريعة.
أما عندنا، فالحكومة لم تتشكل بعد، واللجان البرلمانية لم تتشكل بعد ..والوزراء المحتملون لا يزالون يجربون البذلات أمام المرآة، ومع ذلك ولد قبلهم جميعا اختراع سياسي جديد، جاهز للتصدير: «معارضة المعارضة».
معارضة بالدفع المسبق..
حزب التجمع الوطني للأحرار قضى عمره كله تقريبا في الحكومة، حتى صار يظن أن الحقيبة الوزارية عضو من أعضاء الجسد. لم يزر المعارضة إلا مرة واحدة، بين 2012 و2013، في رحلة أشبه بالترانزيت في مطار: نزل، شرب قهوة، تأفف من الكراسي، ثم ركب أول طائرة متجهة إلى الحكومة.
واليوم، بعدما أغلق الحليف القديم في وجهه باب الأغلبية قبل أن تفتح أصلا، عاد إليها، لا مهزوما، بل كما يعود المقاول إلى ورش جديد: بخطة وتصميم جاهز. وقرر أن يعارض قبل أن يجد ما يعارضه، في سابقة عالمية يمكن تسميتها: المعارضة بالدفع المسبق.
المشكلة أن في المعارضة حزبين يزعجان أي حكومة، حتى قبل أن تولد.. العدالة والتنمية، الذي عاد بنواب أكثر وصوت أعلى، ويعتبر كل حكومة جاءت بعده دليلا إضافيا على أنه كان على حق. واليسار، الذي يعتبر كل مشروع قانون مؤامرة إلى أن يثبت العكس، ولا يثبت العكس أبدا، ولو تعلق الأمر بتنظيم مواقف السيارات: لماذا الأزرق بالضبط؟ ومن المستفيد من الخطوط البيضاء؟
فما العمل؟ قمع المعارضة لا يليق بدولة مؤسسات..
تجاهلها مستحيل لأنها تصرخ كثيرا.
الحل أرقى بكثير: نرسل إليها حزبا كبيرا يجلس في وسطها، ويأخذ أفضل كراسيها، ويعارض نيابة عنها، بلطف شديد وبصوت منخفض. معارضة معقمة، خالية من الغلوتين ومن الأسئلة المزعجة، صالحة للاستهلاك الحكومي دون وصفة طبية.
أو بلغة كرة القدم: مدافع يرتدي قميص الخصم، يقطع كرات مهاجميه، ثم يحتفل مع جمهور الفريق الآخر.
مفتاح لجنة التشريع
القانون في لحظة سذاجة ديمقراطية، منح المعارضة رئاسة اللجنة المكلفة بالتشريع في مجلس النواب، حتى تكون لها يد على النصوص قبل أن تصبح قوانين. لكنه لم يتوقع معارضة تطالب بالمفتاح لا لتفتح الباب، بل لتتأكد من أنه مغلق جيدا. فاللجان لم تتشكل بعد، لكن الحمامة تطمح، حسب ما يتداول، إلى رئاسة لجنة العدل والتشريع ولجنة مراقبة المالية العامة معا، بحجة أنها الأكبر عددا في المعارضة. أي أنها أحق الناس بتمثيل معارضة كانت تصفها قبل أسابيع بالعجز والإشاعة.
تخيلوا المشهد بعد بضعة أشهر: يترأس نائب من الحمامة جلسة اللجنة، وينظر إلى مشاريع الحكومة بحنان الأب، لأن نصفها خرج أصلا من مكاتب حكومته السابقة.
يقول نائب يساري إن في الفصل الثالث مؤامرة، ويقول نائب من العدالة والتنمية إن الفصل نفسه من إعداده هو، فيجيبهما الرئيس بالابتسامة نفسها: سجلنا ملاحظاتكم القيمة. ثم يمر النص في عشر دقائق، ويصفق الجميع، حتى حارس البرلمان، دون أن يعرف لماذا.
وللأمانة التاريخية، ففي 2013، حين إلتحق الحزب بالحكومة، بقي أحد نوابه يرأس هذه اللجنة المخصصة دستوريا للمعارضة. أي أن الحزب ترأس لجنة المعارضة وهو في الحكومة، ويستعد لترؤسها وهو في المعارضة لحماية الحكومة. كمن يحتفظ بمفتاح بيت جده: لا يسكنه، لكنه لا يسمح لأحد بالدخول.
اطمئنوا… لن يتفقوا..
قد يقول قائل: سيتحالف اليسار والعدالة والتنمية لقطع الطريق على الحمامة. إطمئنوا، فالطرفان لم يتفقا في حياتهما إلا على أنهما لا يتفقان.
تخيلوا اجتماع التنسيق: يقترح اليسار مرشحا، فيتحفظ العدالة والتنمية على مرجعيته. يقترح العدالة والتنمية مرشحا، فيرى اليسار في الاقتراح مؤامرة. ثم يختلفان على جدول الأعمال، ثم على ترتيب الكراسي، ثم على الشاي: بالنعناع أم بدونه. وبعد ست ساعات، يصدر بلاغ من سطرين عن أجواء إيجابية ومشاورات مستمرة. وتستمر فعلا، إلى نهاية الولاية.
وهنا عبقرية الحمامة الحقيقية: لا تحتاج حتى إلى هزم المعارضة. يكفيها أن تجلس في الزاوية، وتشرب قهوتها، وتنتظر أن تهزم المعارضة نفسها بنفسها.
إنها معارضة المعارضة بنظام الطيار الآلي.
ولا ننسى أن الحمامة ذكرت الجميع بأنها أصل المسار، وأن المنافسين صاروا يرددون كلمتها. والآن نفهم المسار أخيرا: طريق دائري يبدأ من الحكومة، ويمر عبر المعارضة، ويعود إلى الحكومة، كالحمامة الزاجلة التي مهما أطلقتها بعيدا تعود إلى نفس السطح. ويقال إن الحزب يعد «دليل المعارض المبتدئ»، بفصول من قبيل: كيف تنتقد قانون المالية دون أن تتذكر أنك كتبت نصفه؟
وكيف تقول «لا» بطريقة تفهمها الحكومة على أنها «نعم، ولكن بعد الصيف»؟..
فهنيئا للحكومة المقبلة، حتى قبل أن تولد. كل حكومات العالم تخاف من معارضتها، إلا حكومتنا، فقد حصلت قبل تعيينها على معارضة تخاف عليها، وتحرس باب لجنة التشريع كما يحرس البواب العمارة: لا يملك منها شيئا، لكنه لا يسمح لأحد بالصعود. وستقرأ الأجيال القادمة في كتب العلوم السياسية فصلا بعنوان: «النموذج المغربي: حين تكون المعارضة هي الأغلبية… لكن في الجهة الأخرى من القاعة».
وطبعا، سيعتبر اليسار هذا الفصل مؤامرة.


































اترك تعليقاً