شبكات التسول المُنظّم .. تجارة مُربحة تجري وراء الستار

ماجدة بوعزة – جمانة فرحات – محمد الحكيمي

“الله يخلّيك عاونني”..”عطيني مصاري أنا يتيم” لو سمحت درهم”..عبارات يسمعها المارة بشكل يومي في شوارع لبنان اليمن والمغرب من أفواه أطفال وافدين إلى هذه البلدان ويتسولون في الأحياء، مستحضرين القصص الإنسانية الحزينة للحصول على بعض المال.
العديد من المارة يقعون عادة في الفخ. يتعاطفون… يخرجون المال من جيوبهم… يضعونها في يد الطفل وينصرفون. لكن ماذا عن الجزء الآخر من القصة، الذي يحجبه الطفل المتسول بذكاء؟ ماذا لو اكتشفت أن هذا الطفل يتخطى دخله الشهري بأضعاف دخلك الشهري؟ وأن المال الذي يجنيه طوال اليوم غالباً ما يذهب إلى جيوب رؤوس شبكات منظمة يدير بعضها نافذون؟
في تحقيق استقصائي استغرق شهرا ونصف من العمل، وشمل كل من المغرب واليمن ولبنان، رصد فريق من ثلاث صحافيين، أطفال الشوراع المتسولون، وبشكل خاص، الأطفال الوافدون من خارج البلدان الثلاثة.

التسول
تسول أم ابتزاز؟
في شارع الحمرا، أكثر شوارع العاصمة بيروت ازدحماً، تلاحق فيروز (اسم مستعار) المارة مرددة على مسامعهم عبارة “الله يخليكم ساعدوني انا من “المعضمية”، إحدى مناطق الحرب السورية، لتنجح في اقتناص النقود من البعض دون آخرين. الطفلة عندما استوقفتها الصحفية، أكدت أنها جاءت إلى لبنان بعد الأحداث السورية. لكن كان من الصعب عليها تقديم رواية دقيقة عن من يرافقها. فتارة تتحدث عن والدها، وتارة عن والدتها. أما الرواية الأخيرة فاستحضرت فيها خالتها، قاصدة بذلك امرأة في الثلاثين من العمر، تجلس في زاوية محددة من شارع الحمرا برفقة سيدة أخرى، وتمضيان يومهما في التسول، ومراقبة عمل باقي الأطفال الذي يزدحم بهم شارع الحمرا منذ قرابة العامين، تاريخ تصاعد الأزمة السورية، واضطرار مئات الآلاف من السوريين للفرار إلى لبنان.
المشهد نفسه يتكرر ليس في شوارع العاصمة بيروت فقط، بل على بعد آلاف الكيلومترات، وتحديداً في اليمن.
”وليد”، وهذا ليس إسمه الحقيقي، هو أحد الأطفال السوريين اللاجئين، الذين فروا لليمن، نتيجة المعارك الدائرة في سوريا“. وليد” لم يتجاوز الـ 5 سنوات، رصده صحفي من الفريق يقف في جولة “عمران” في صنعاء، برفقة والدته.
ست ساعات من التسول يوميا، تعمد خلالها والدته إلى توجيهه للتسول من أصحاب السيارات الفارهة دوناً عن غيرها. عند سؤاله عما أتى به إلى اليمن، وكيف بدأ يتسول، لم يكد يبدأ الحديث والقول “أنا هنا مع أمي”، حتى سارعت والدته إلى اللحاق به لمنعه عن الكلام.
ويقول أحمد عبد الكريم، بائع في إحدى المتاجر في المنطقة: “إن أعداد المتسولات السوريات اللواتي يصطحبن أطفالهن في هذا التقاطع، بدأ يأخذ شكلاً منتظماً منذ قرابة 8 أشهر، بالتزامن مع تزايد أعداد المتسولين من النازحين، الذين باتوا يزاحمون اليمنيين وحتى اللاجئين الأفارقة بالتسول في الشوارع.

التسول

أما في المغرب، فلا يبدو الوضع مختلفاً كثيراً. سوريون ولاجئون أفارقة أيضاً يقضون جل يومهم في الطرقات يتسولون، وخصوصاً النساء اللواتي يصطحبهن أطفالا رضع. “حليمة” كما تسمي نفسها، تعمد إلى استغلال طفل تضمه طوال الوقت بين ذراعيها وتقول إنه ابنها، لاستعطاف الناس كي يمنحوها بعض الدراهم لإطعامه. وأظهرت جولة لصحفية الفريق، على عدد من نقاط تجمّع الأفارقة والسورين المتسولين في البلدان الثلاثة، أن الأطفال دوناً عن غيرهم أكثر فئات المتسولين انتشاراً. وهؤلاء غالباً ما يتعرضون للاستغلال من قبل شبكات منظمة تدفعهم إلى الشوارع ومن ثم تسطو على ما يجنونه لصالحها.
شبكات منظمة
مسألة وجود شبكات منظمة تدير المتسولين ليست مجرد وهم كما يعتقد البعض، والدلائل كثيرة. إذا كان المسؤولون المغاربة يمتنعون عن التطرق إلى هذه الظاهرة، بالرغم من تكرار محاولات صحفية فريق موقع “تسول” الحصول على إجابات منهم، وتحديداً من وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية، و ملحقة الأبطال المكلفة بشؤون الطفل بالمغرب التابعة لنفس الوزارة، فإن شهادات اللاجئين الأفارقة تختصر المشهد.
حمدو (اسم مستعار)، مهاجر مالي أتى إلى المغرب عن طريق الخطأ قبل سنتين، كان حينها في الخامسة عشرة من عمره، بعدما وعده أحد سماسرة الاتجار بالبشر بالوصول إلى أوروبا تهريباً، قبل أن ينتهي به المطاف مستغلاً من طرف أحد اعضاء مافيات التسول.
حمدو أكد لفريق التحقيق، أن مُشغله وهو مغربي الجنسية تمّ إلقاء القبض عليه قبل فترة، كان يجبره على التسول لتحصيل 200 درهم يومياً، محدداً له أحد أغنى شوارع العاصمة المغربية كمكان للاستجداء.
وأضاف حمدو “كنت أتسول خشية من أن أعود بدون أموال، وخصوصاً أنه كان يراقبني، إذ كان يتخذ من العمل في أحد مواقف السيارات، وسيلة للإشراف على المتسولين الذين يديرهم في الشارع”.
وعن باقي أصدقائه، يقول حمدو، إن بعضهم يلجأ إلى استخدام أطفاله لضمان استعطاف المارة، فيما كشفت دراسة أنجزتها الجمعية المغربية للدراسات والبحوث حول الهجرة أن 18.8% من المهاجرين الأفارقة يشكل التسول مصدراً لدخلهم.

التسول
أما في لبنان، فالمسؤولون في الحكومة لا يترددون في تأكيد وجود شبكات. مكتب المعلومات في قوى الأمن الداخلي، زوّد فريق التحقيق باحصائية دقيقة عن موقوفي التسول من تاريخ 5/04/2012 إلى 11/10/2013. الإحصائية تظهر أنه تم اعتقال رأسين مدبرين يتوليان تشغيل الأطفال في مهنة التسول. في حين أكد وزير الداخلية اللبناني، مروان شربل في تصريح يعود إلى 4/4/2012 توقيف 78 مشغلاً، موضحاً أن “المجموعات التي تستغل الأطفال تقوم باستئجارهم من أهلهم، ويدفعون لهم سلفا مبلغاً معيناً عن الطفل ومن ثم يحضرونهم بشاحنات صغيرة ويقومون بتوزيعهم على الأراضي اللبنانية ليقوموا في نهاية اليوم بتفتيشهم وأخذ الأموال التي قاموا بتحصيلها من التسول، ومن ثم يقومون بإرجاعهم إلى أهلهم”.
الأدلة على استغلال الأطفال الوافدين تنسحب أيضاً على اليمن. رئيس منظمة أكناف للطفولة والشباب في صنعاء، فضل القدسي، تحدث للفريق المتقصي، عن وجود عصابات تستغل اللاجئين، وأنها تعمل بطريقة منظمة وحذرة. كذلك تقود تصريحات مدير الدفاع الاجتماعي بوزارة الشئون الاجتماعية، عادل دبوان، إلى الاستتناج نفسه. الأخير أكد في تصريحات صحافية سابقة أن “تسول الأطفال والنساء من اللاجئين السوريين في اليمن، يدخل طوراً جديداً هو طور الاتجار بالبشر … ليصبح منظماً، وضمن عصابات ومجاميع تدار عن بعد بإشراف من أشخاص لا يراهم أحد إلى جانب المتسولين.
نافذون متورطون

رئيس منظمة أكناف للطفولة والشباب باليمن، كشف لفريق التحقيق أيضاً، أن أحد المعنيين في جهاز الشرطة، تابع قضية إحدى شبكات التسول بعد إلقاء القبض على أفرادها، الأمر الذي عرضه لضغوط كثيرة من أجل التوقف عن التوسع في التحقيق وإغلاق الملف، بعدما أظهرت الدلائل تورط “شخص معين” رفض القدسي إعطاء المزيد من التفاصيل حول هويته أو منصبه، وأحال الصحفي المحقق إلى الضابط المعني للتحقق من صحة ما أدلى به.
الضابط نفسه أكد للصحفي صحة الأمر، لكنه شدد على ضرورة حماية اسمه خوفاً من تعرضه للأذى، مشيراً إلى تعرضه لضغوط من كثيرين من أجل إطلاق سراح شبكة من المتسولين كان قد تولى عملية القبض عليها.
لكن حتى لو تم المضي قدماً في اعتقال أفراد الشبكة أو غيرها من الشبكات، فإنهم سرعان ما سيخرجون مستفدين من ضعف العقوبات في لبنان والمغرب واليمن على حد سواء.
ثغرات قانونية
يتشرك اليمن مع المغرب ولبنان في عدم وجود عقوبات قاسية بحق المتسولين أو الذين يديرونهم. فالمادة 203 من قانون الجرائم والعقوبات اليمني، في الباب السابع تنص على أنه “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ست أشهر من اعتاد ممارسة التسول، في أي مكان إذا كان لديه أو في إمكانه الحصول على وسائل مشروعة للتعيش، وتكون العقوبة الحبس تزيد على سنة اذا رافق الفعل التهديد”. تكمن المشكلة في أن المتسوّل حين يتم ضبطه، يردد بأنه كان يتسول للمرة الأولى، وهو ما يتيح لكثيرين الإفلات من العقوبة.

التسول

أما في المغرب، فتنص المادة 327 من القانون الجنائي المغربي على أن يعاقب من ثلاثة أشهر حبساً إلى سنة فقط كل متسول، حتى لو كان ذا عاهة أو معدماً استجدى بعدد من الوسائل بينها استصحاب طفل صغير. كما تنص المادة 328 على أن يعاقب بالعقوبة نفسها من يَستخدم في التسول، صراحة أو تحت ستار مهنة أو حرفة ما، أطفالاً يقل سنهم عن ثلاثة عشر عاماً. لكن الملاحظ أن كل هذه النصوص تُطبّق على المغاربة دون اللاجئين بهذا البلد.
الثغرة نفسها تقريباً في لبنان، فالعقوبة وفقاً للمادة 618 من قانون العقوبات تقتصر على الحبس من ستة أشهر إلى سنتين وبالغرامة من 20 ألفاً الى مئتي ألف ليرة، من دفع قاصراً دون الثامنة عشرة من عمره إلى التسول جراً لمنفعة شخصية.
وتبدو هذه العقوبات غير ذي جدوى، أمام حجم الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال نتيجة تواجدهم في الشارع. كما أن هذه العقوبات تبدو هامشية، أمام حجم الأموال التي يمكن جنيها يومياً من إدارة شبكة تسول في البلدان الثلاثة.
تجارة تدر ذهباً

عصابات التسول
بناء على شهادات أكثر من طفل متسول سواء في لبنان اليمن والمغرب، فإن إجراء عملية حسابية تقديرية لحجم الأموال المتدفقة من جيوب المارة إلى أيدي الأطفال، ومن ثم الشبكات التي تديرهم يصبح ممكناً.
تم افتراض وجود ألفي متسول في كل بلد من البلدان الثلاث، بالرغم من تدني هذا الرقم، واعتبار أن متوسط الدخل 25 $ يومياً ، ليتبن أن تجارة التسول تدر على أقل تقدير في كل بلد 50 ألف دولار يومياً، ما يعني مليون ونصف دولار شهريا، مع العلم أن المبلغ قد يكون أعلى بكثير.
هيثم، وهو اسم مستعار لطفل سوري عمره 10 سنوات جاء إلى لبنان قبل عامين بسبب الأزمة السورية، يتراوح مدخوله اليومي بين 150 و 200 ألف ليرة لبنانية (أي بين 100 و 133 دولار). مبلغ أكد لنا هيثم، بصوته الذي بالكاد كان يمكن سماعه، أنه يجنيه من خلال بيع الورود في الشارع، منكراً أنه يتسول بالرغم من أن القانون اللبناني يدرج بيع الورود لاستجداء المال في خانة التسول. وإن كان المبلغ مغري ويتخطي أي مدخول يمكن أن يحصل عليه المواطن من أي مهنة قانونية، فإنه بالنسبة لهيثم له عواقبها ليس أقلها ما تعرض له مراراً من ضرب من قبل رجال البلدية، الذي كانوا يضربونه بسلك كهربائي لإبعاده فيغيب قليلا ليعود، إلى أن وقع أخيراً في قبضة القوى الأمنية.
لكن شبكات التسول وكذلك بعض الأهالي يرون في المردود المالي مكسباً لا يمكن الاستغناء عنه، الأمر الذي يدفعهم لإجبار الأطفال على تحمل أي مخاطر، مستفدين في الوقت نفسه من تراخي الدول الثلاثة عن معالجة هذه الظاهرة في ظل وجود ثغرات قانونية عديدة، ينبغي معالجتها.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail