البعد الأدبي في جدلية الحب والنضال

محمد شيكي _ المغرب

من شروط الكتابة الأدبية شعراً كانت أم نثرا ،التخييل . فهل يمكن تحقيق ذلك في الكتابات السجنية ؟وهل يستقيم تغييب الواقع فيها وإبداع كتابة موازية له، والحال أن ما يكتب عنه السجناء واقع لا يقبل التزييف ولا مجال فيه للنزوع إلى الخيال والابتداع؟هذا إشكال حقيقي يسائل أغلب الدراسات النقدية التي تعاملت معه كما لو أنه أدب مكتمل الصفات .

وأمام التراكم الذي أنجزه الكتاب المغاربة في هذا المجال يمكن التساؤل عن الحد الذي تصدق فيه صفة الأدبية على الكتابات السجنية في التجارب المغربية بالنظر إلى الإشكالات التي يطرحها مفهوم ” الأدبية” في النص المكتوب ؟ نقف في هذا المقام على نموذج ” عقبات وأشواك” للكاتب والصحفي المغربي عبد النبي الشراط . 1

عقبات وأشواك: شهادات الواقع وشعرية التراسل

إن معظم ما يحسب على أدب السجون ـ في المنجز السردي المغربي تحديدا، يبقى مدعاة للتحفظ حول مدى شرعية امتلاكه للخصائص الأدبية؛ إذ لا يعدو الكثير منها -في تصورنا – أن يكون محض مذكرات توثق المعاناة اليومية للمعتقلين داخل دهاليز السجون والمعتقلات السرية،و شهادات حية تحكي عن بطش النظام ومصادرته للحريات والزج بالمعارضين في غياهب المعتقلات وتعريضهم لشتى صنوف التعذيب الذي يصل حد الإعدام. لهذا نسارع إلى القول بأن تصنيف سيرة عبد النبي الشراط الوجدانية ضمن ما يعرف بأدب السجون أمر لا يخلو من المجازفة؛لأنها لا تختلف عن كثير مما أنجزته أقلام مغربية في مجال ” كتابة الاعتقال” ، فجاءت رصدا لدينامية المجال السياسي في مغرب ما بعد الاستقلال.والكاتب عبد النبي الشراط ،لا ينكر هذا الأمر بل يصرح علنا بواقعية الأحداث ويسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية،فباستثناء (عمر وبهية) اللذان يحكي الشراط تجربته على لسانهما ، يبقى كل ألحكي منقولا من صميم الواقع بنسبة مطلقة ، يقول الشراط: ” عقبات وأشواك، سيرة وجدانية، أحداثها واقعية مائة بالمائة.خمس سنوات من المشاغبات والحروب الخاسرة من حياة الكاتب..الحب، الدين، السياسة..من انتصر على الآخر ؟ 2.
فضمَّن سيرته تلك،شجونَ ذاته وما علق بها من آلام الاعتقال والعنف السياسي، وأشكال الظلم والاستبداد الذي مورس عليه وعلى غيره من معتقلي الرأي، فجاءت السيرة شهادة تاريخية تقدم مادتها على شكل شظايا متفرقة ومتنوعة ( مخافر/سجون/ قيادات/ عمالة/ مسجد…فضاءات عامة….). والجامع بين هذه الأمكنة هو طابعها المغلق ووظيفتها الاستفزازية.
تكاد الفصول المحكية – من فرط واقعيتها – تكون تقارير دقيقة ومضبوطة الصياغة ، واصفة بعين راصدة لمهاوي السلطة المخزنية وسُعارها. غير أنه من الإنصاف القول إن ثمة قدرة عجيبة يملكها الشراط على بناء سرد عمودي موفق،مهما خلا من بعض المسوغات الأدبية ،فإنه يستعيض عنها بتقنيات أخرى ساهمت في تحقيق قدر من التمفصل بين المعنى والدلالة في انسجام تام جعل من الفصول السردية نصوصا يعكس نسيجها النفسي والاجتماعي روحا اجتماعية عامة تحولت فيها الأنا الفردية إلى الأنا الجماعية .حيث إن ” عمر” قاوم بمثالية المثقف الذي يرى للحقيقة أكثر من وجه،بينما تعامل معه النظام بمنطق من ليس معنا فهو ضدنا. فكان الشراط على لسان ” عمر” متحدثا صادقا باسم الجماعة ؛ يستعيد شراسة الأحداث وفظاعاتها المؤلمة. هذه التقنية مكنته من استقطاب القارئ وكسب فضوله ليس استجداء لعطفه بل لأن سلطة ألحكي التي يستمدها الكاتب من شخصيته الصلبة العنيدة ومن حجته القوية وإمعانه في المواجهة والتحدي، كلها عوامل تؤتي مفعولها في تنبيه القارئ إلى أنه أمام معتقل متفرد برؤيته وبمنسوبه النفسي العالي من منطلق إيمانه بعدالة قضيته. ويبدو ذلك واضحا من خلال ردود أفعاله الموسومة بالسخط والتحدي،ومرد ذلك في اعتقادنا راجع إلى أمرين اثنين،أولهما إيمانه بصواب مواقفه، وثانيهما الدور الذي لعبته الأنثى في دعم موقفه وتعزيزه.وهوما نسعى إلى معالجته في هذا المبحث.

الأنثى: بلاغة الحضور و دعم التخييل

لا يخفى علينا ما تقدمه الأنثى من دعم لنفسية السجين، فقد شكل الحب في هذا العمل رافعة نفسية بامتياز حتى أضحى ضامنا أساسيا للولادات المجددة للآمال التي يحملها ” عمر” وعلى تشبثه القوي باختياره الفكري والنضالي.يقول : ” كانت رسائلها من مدينة مراكش الرائعة إلى سجنه الكئيب بالعاصمة، تنسيه قساوة الجدران الاسمنتية …وكانت هذه الرسائل تزين له أيام سجنه المرير…” 3. ويؤطر هذا الاعترافُ علاقةَ بهية وعمر على امتداد االحكي إذ يمثل اللحمة الروحية التي تنمو بين شظايا الأحداث إلى درجة يمكن القول معها إنها أكثر التيمات حضورا داخل المحكي السردي بل وأقربها إلى المسوغات ” الأدبية” لفظا وصياغة وخطابا.
في ” عقبات وأشواك” لم تخرج تجربة الاعتقال عن هذه القاعدة.حيث تتمتع الأنثى بحضور ملفت من خلال شخصيتي الأم ( والدة عمر)
والحبيبة ( بهية).وهما معا تجسدان القوة الروحية العميقة التي استمد منها عمر طاقة الصمود في وجه الجلاد.ولئن كانت ” والدة عمر ” وفية لمشاعر الأمومة، ودافعةً بها نحو الخوف على مصير ابنها والقلق عليه كلما سيق إلى المعتقل أو زُجَّ به في السجن، فإن الحبيبة (بهية ) مثلت نموذج المرأة المغربية القوية بوفائها النادر للحبيب وللقضية ،المؤمنة باختيارها الفكري
والعاطفي:

1 – الأمومة وشعرية الحدس

تحضر الأم بدلالات إنسانية عميقة وقوية جسدت واقع معاناة أمهات معتقلي الرأي اللواتي اكتوين بلهب البطش والابتزاز المخزني مع العجز عن دفع الأذى عن أبنائهن. يعتمد الكاتب في استحضار والدته على تقنية الاسترجاع والتذكر .لقد استشعر ” عمر” هول اعتقاله وما سببه لها ذلك من صدمة على نفسيتها. وإن كان يبدو ذلك أمراً طبيعيا وفطريا من موقعها كأم ،فالأمر لم يكن كذلك بالنسبة له.إذْ بقدرما كانت بهية مصدرا لقوته بقدرما كانت الأم سببا في لحظات حزنه وانكساره إشفاقا عليها وخوفا مما يمكن أن يحيق بها من أذى.يقول عمر”…كان عمر قد ودع والدته خلال اعتقاله ذات مرة موصيا إياها بالتحلي بالصبر….كانت والدته في تلك اللحظات منهارة لكنه كان قويا ومتماسكا…” 4 وكأن اصطباره ورباطة جأشه لم يعد لهما جدوى كلما تذكر أمه:
” ….في لحظة من اللحظات ،تجلت له والدته التي تركها منهارة ،وتساءل كيف أنه لم يتأثر بحالتها إلا خلال هذه اللحظة…لقد تراءى له رؤي العين أن مكروها قد أحاط بوالدته….” 5
شكل حضور الأم دعامة أساسية جعلت السرد ينفلت من أسر التقرير النمطي إلى لحظة بوح ارتقت بالأسلوب إلى التماهي مع هواجس الحدس وصدق المشاعر.ذلك أن انشغال “عمر ” بمصير أمه لم يكشف عن متانة العلاقة بينهما فحسب،بل جعله يتنبأ بالخطر المحدق بها وبإحتمال تعرضها لاستفزاز المخزن وابتزازه لها،فاشتغلت حدوسُه على استباق الخطر وتصوره بحِسِّ الإبن البار لوالدته بنفس حجم البرور لمبادئه.يأتي هذا في سياق إشارة الكاتب/السارد إلى واقعة النصب الذي تعرضت له والدته من طرف ضابط أمن منحدر من نفس بلدته وإيهامه لها بقدرته على التوسط لإطلاق سراح ابنها مقابل مبلغ من المال .لكن أمره انفضح لأن محاولة النصب تلك، صادفت يوم خروج عمر من معتقل سري قضى به قرابة شهر كامل.6 والمفارقة أن عمر حدس بالواقعة وهو داخل معتقله،وكأنه يراها تحدث أمام عينيه، يقول: ” قضى عمر يومه متوترا قلقا…تذكر والدته، ماذا يكون قد حصل لها من مأساة .كان يتذكرها دائما لكنه الآن بشكل مختلف تماما، وبدأ يشك أويخيل إليه أن شخصا ما أو أشخاصا قد ينصبون عليها فيوهمونها أنهم سيتدخلون لإطلاق سراحه دون أن يفهم لمَ ساورته هذه الشكوك” 7.
يمتلك الحدس قدرة كبيرة على السمو بلحظة الحكي وتحويل أحداثها من مجرد سرد للوقائع إلى بناء نفسي شاعري. فالحدس/intuition والتصور /envisage عمليتان تقومان على الخيال ، وتنبنيان على الربط بين المعطيات المدركة انطلاقا من احتمال المعطى البشري واستحضار عاملي الزمان والمكان، من هنا تأتي جمالية الحدس وشاعريته فترخي بظلالها على الأسلوب 8.

2 الحبيبة : زهرة الأشواك ،واحة العقبات

الحب فعل مقاومة في سبيل الحرية، وأصدق الحب ما ينمو في القلب رغما عن أنف الواقع وإكراهاته، تماما كما تنمو الزهرة بين الأشواك.لهذا كانت العلاقة العاطفية بين عمر وبهية بمثابة المسار الذي يؤطر الأحداث منذ بدايتها. حيث جعل الكاتب كل عمله مقصورا عليها ومُهدىً إليها ” إليها فقط” . لأنها وحدها : “التي تحدت معه الظلم وسلكت معه طريقا مليئا بالأشواك” 9 وتحدت من أجله أسرتها ممثلة في شخص والدها المنتمي إلى سلك الأمن. “…فتمسكت بحبه خمس سنوات كاملة أو تزيد . لأنهما اعتقدا معا أنهما خلقا لتحقيق حلم كبير” ‘ 10. ولم يكن عمر في حاجة إلى تأكيد هذا العشق ما دام محضر استنطاق بهية من طرف ضباط المخابرات يشهد بذلك ، فقد أخبروه بأنه:”…لعلمك، فهي الوحيدة من ضمن من عثرنا على عناوينهم في مذكرتك التي لم تنكر علاقتها بك..”11
هذا العشق الروحي وجه ثان لعشق الوطن.حيث تصبح بهية بوفائها وصدقها وتشبثها بعمر وأحلامه رمزا للوطن، ومن ثم تستقيم المعادلة بين العشق الروحي وعشق الوطن. ولأن عمر لا يملك غير وطن واحد يتفانى في حبه ،فإن بهية بدورها لا ترى وطنها في غير عمر وحده كما عبرت عن ذلك في إحدى رسائلها إليه: ” ليس من حق أي امرأة في هذا العالم أن تحبك،أنا التي من حقي أن أعشقك” 12 . وقد صرحت لوالدها في رسالة إليه تقنعه بارتباطها بعمر :” إنني لا أقبل بغيره مهما كلفني الأمر، إذا كنت تعزني حقيقة فعليك أن تقول نعم لعمر”13 .
لقد كانت فرص اللقاء بين الحبيبين نادرة جدا،غير أن التراسل بينهما يحضر بقوة ؛ وإن ما يلفت الانتباه في هذه المراسلات هو أسلوبها الذي ينزاح في معظمها عن الطابع الصحفي الذي يسم عمل الكاتب عموما؛فجاءت الرسائل مثقلة بزخم نفسي وحمولة شعرية تتحقق ضمن سياقات البوح العاطفي.حيث التركيز على الانطباع النفسي والتعبير عن قضايا الوجدان بدلا من توصيف الوقائع ، وهذا ما يسمح بالتمييز بين اللغة والأسلوب من منظور رولان بارت؛فاللغة نظام بنائي مركب يعبر عن جوانب عاطفية أو انفعالية، أما الأسلوب فيتجاوز البحث في أوجه التراكيب اللغوية ويراهن على قدرة القارىء على الكشف عن العناصر الداخلية التي تجعل من مضامين اللغة خطابا أدبيا يصيب الجانب النفسي النابع من النص ذاته. ففي رسالة من عمر إلى بهية يقترح فيها بكثير من الانكسار وفي لحظة نفسية عصيبة وشعور بخسارة المعركة : “… إني إذا كنت اخترت هذا الطريق الشائك عن طواعية،فأنت غير ملزمة باتباعه. سأكون سعيدا جدا إذا وفقك الله في اختيار الشريك المناسب ” لتفاجئه بما لم يتوقع: “…أنت لم ترتكب جرما…أنت صاحب دعوة وفكر، ولابد من هذه الابتلاءات ….لن أبحث عن شريك فأنت الشريك الوحيد الذي اخترت ولن أسمح لأي امرأة في هذا العالم أن تحبك فقط أنا التي من حقها أن تحبك” 14.
لعل هذا التناغم الوجداني الثاوي بين الكلمات وبين سطور الرسائل، هو الذي يرتقي باللغة إلى مستوى أدبي مؤثر بما يضمره من جمال قيمي كاشف عن مبدأ التزام الطرفين بجدلية الحب والنضال بين ثائر حقيقي وعاشقة تتفانى في حبه بحيث يسمو الارتباط الوجداني بينهما إلى تجسيد مقامات نفسية تمنح اللغة نَفَساً سرديا يتوهج داخل المسار العام لعملية الحكي.

الإحالات:
1. عبد النبي الشراط، عقبات وأشواك، دار الوطن، ط 2. 2020.
2. من حوار للكاتب على صفحة التواصل الاجتماعي.
3. عقبات واشواك ص 94
4. المرجع السابق ص 37
5. المرجع السابق ص 39
6. المرجع السابق / انظر الصفحات من 68 إلى 71
7. المرجع السابق ص 64
8. ناصر الحجيلان، الحدس والتصور الجمالي ، مجلة الرياض،عدد 147، 2008.
9. المرجع السابق ص 9
10. المرجع السابق ص 25
11. المرجع السابق ص 58
12. المرجع السابق ص 8
13. المرجع السابق ص 80
14. المرجع السابق ص 93

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail