الحجر المنزلي بسبب الكورونا

*علي زين العابدين الحسيني الأزهري

ابتليت الإنسانية جمعاء بوباء (الكورونا) الذي دخل كثيراً من البلدان، وانتشر في العالم شماله وجنوبه وشرقه وغربه، وأصاب الناس بحالة هلع وخوف شديدين، فلم يمر على الناس مثل هذه الظروف من قبل؛ بأن يصبح الوباء عالمياً، ويعم الناس غنيهم وفقيرهم، كبيرهم وصغيرهم.
لو حدثنا شخص عن هذا الوباء من شهور قبل ظهوره لكان حديثه من واقع الخيال أو من نسج التخيل، ولاتهمه بعضنا بجنون أو خفة في عقله، وقد تسبب الوباء -ولازال- في آثار اقتصادية كبيرة، ونتج عنه نتائج اجتماعية هائلة زيادة على أزمته النفسية وتأثيرها على النفوس.
بات الناس في حيرةٍ من أمر (الكورونا) وشدةٍ في حياتهم، ولسرعة انتشاره بين فئات المجتمع أخذت الدولُ إجراءات صارمة للحد منه، قد تكون في بداية أمرها صارمة، وقد يكون ظاهرها لحوق ضرر عند البعض، لكنّ باطنها الرحمة والسلامة والخوف وأخذ الحيطة، والعمل مع الوباء بحذر وترقب.
وبدورها أصدرت المؤسسات الدينة في كثير من الدول بيانات وفتاوى حول هذا الوباء، وكان للأزهر الشريف السبق المعلى، حيث أصدر قراره بإغلاق الجامع الأزهر وتعطيل الجمع والصلوات، ثم نحت نحو قراره وزارة الأوقاف المصرية بكلّ شجاعة، وأمرت بتعطيل الجماعات وغلق المساجد حتى إشعار آخر، فلهم منا كلّ الشكر والتقدير.
استندت هذه القرارات الحكيمة على مقاصد الشريعة في الحفاظ على الأرواح، ومشت مع روح الجماعة، وغلبت المصلحة العامة للمجتمع، وأخذت بمشورة ورأي الجهات الصحية المختصة وذوي المشورة والأمر، فتلقى الناس هذه القرارات بالقبول، وأخذوا في تنفيذها، وأصبح الخارج عنها منبوذاً من المجتمع.
وأَغلَقت أيضاً على إثر ذلك المدارسُ أبوابها، وعطلت الجامعات التعليم، ولجأت بعض المؤسسات التعليمية إلى التعليم عن بُعد، وهو ما يعرف بالتعليم الإلكتروني كإجراء بديل عن الحضور، وفتحت كثيرٌ من المنصات التعليمية، وتطوع كثير من الشباب في الخدمة المجتمعية، فشاركوا في حملات تطهير الأماكن العامة للحد من انتشار الفيروس.
عادت الأسر إلى حياة الاستقرار والهدوء والالتفاف، وشعر الأبناء بالسكون والراحة، ووعى الجميع بخطورة الوباء المستجد، وضرورة لزوم البيت في هذه الفترة، وهو واجب شرعي ووطني، فقلّ الخروج من المنازل إلا لضرورة، وأصبح الجميع ملتزماً بالقرارات التي تصب أولاً وأخيراً في مصلحة الأفراد والمجتمع.
إنّ نظرة سريعة على المجتمع في مثل هذا الوقت سنجد صنفين من الناس لم يتمتعوا بهذه البيتوتة المنزلية، وهذه الراحة، ففي الوقت الذي أصبح الجميع في إجازة منزلية نجد صنفين من الناس تضاعفت أعمالهم، وزادت أعباؤهم، وعظمت جهودهم.
أما الصنف الأول من هؤلاء، فهم فئة الأطباء أصحاب الزي الأبيض والقلوب البيضاء، حيث تضاعفت عليهم المهمات، وهم جنود مجهولون يعيشون معنا إلا أنهم يقومون بخدمات جلية للوطن والمجتمع من خلال خدمة المرضى؛ لأنهم مؤتمنون على أرواح الناس، ومعنيون بحماية أرواحهم من الأوبئة والأمراض.
إن الأطباء حقاً في هذا الظرف الراهن من ذوي الشجاعة والإقدام، ومن الذين إذا عظُم الخوف في الناس، وزادت الحيرة في نفوسهم، وفزع الناس وخافوا من (الكورونا) واشتد أمرهم في ذلك لا يولون الأدبار، بل يمارسون مهماتهم بكل صبر وشجاعة، ويُقدمون على مسؤولياتهم إقدام الأبطال.
والصنف الثاني فئة الأمهات، حيث جلست الأسر واستقرت في المنازل، فتضاعف العمل على ربة المنزل، وأصبحت الأم تجلس في مطبخها كامل وقتها، وأولادها من حولها مستمتعون بفراغهم ونشاطاتهم، والكل ينتظر ويترقب منها الوجبات اليومية في مواعيدها، فلا يقل دورها في توفير الراحة لأسرتها، والعمل على تلبية حاجاتهم عن دور الأطباء في المستشفيات.
كلنا في إجازة وفراغ في هذا الوقت إلا الأطباء والأمهات، فَقَدمُوا لجميعهم التحية والشكر والتقدير، واطلبوا السلامة من وباء (الكورونا) للإنسانية كلها، لكلّ دارجةٍ على الأرض، أو سابحةٍ في البحر، أو عالقةٍ في الهواء؛ لعلّ الله عز وجل يزيح عنّا هذا الوباء عما قريب.

*باحث وكاتب أزهري

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail