الإنسان، و الإيمان بالقضاء و القدر!؟

*ليلى مصلح
يعتبر موضوع القضاء و القدر من اكثر المواضيع التي ثار حولها الجدل الطويل بين المذاهب الاسلامية، و كثر فيها الحديث بين الناس.
و قد جعل الله الإيمان بما قدر و قضى أصلا من أصول الإيمان، و ذلك لما يعتري هذه المسالة من أهمية فائقة تؤثر حقا في صحة الإيمان. و بالتالي قبوله او عدم قبوله، فان المسلم ان امن و سلم بما اصابه من خير او شر فقد امن أما ان جحد و كفر و تململ فقد اساء مع خالقه و ادخل في إيمانه الوهن و الضعف.
يقول الله تعالى في محكم آياته
﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور ﴾ [الحديد: 22-23].
وروى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو ابنِ العَاصِ رضي اللهُ عنهما:
 أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ:
“كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ” .
، وفي حديث جبريل المخرج في صحيح مسلم: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ:
“أَنْ تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ”
من خلال هذا الموضوع سأطرح مايلي.
مفهوم القضاء و القدر؟
القضاء و القدر في الإسلام؟
القضاء و القدر في السنة؟
ما فائدة اوحكمة القضاء و القدر؟
مفهوم القدر عند السلف الصالح هو ان كل شيء مقدر من عند الله، فالله سبحانه و تعالى خالق كل شيء و قادر على كل شيء و عليك بكل شيء قبل ان يكون و كيف يكون. و القدر هو السنن التي سنها الله تعالى لهذا الكون، و النظام الذي سلكه، و يتناول اي القدر جانب التصميم و الأساس، و هو سابقًا على القضاء
القدر في الإسلام، حكم الله و ما قدره من الأشياء لقدرته في سابق علمه، و الإيمان بالقدر أهمية كبرى بين اركان الإيمان عند المسلمين، حيث ورد التنصيص في السنة النبوية على وجوب الإيمان بالقدر خيرا كان او شرا، و القدر هو تقدير الله تعالى للكائنات حسبما سبق به علمه، و اقتضته حكمته.
القضاء هو مجموعة من القواعد القانونية التي يتم استخلاصها من الأحكام الصادرة من المحكمة، و يطلق القضاء على الحصص التي تستند عليها هذه الأحكام، و الحصة هي التي يتم الاستناد عليها و التي يتم استخلاصها من السوابق القانونية.
القضاء هو الفصل بين الناس في الخصومات حسماً للتداعي و قطعا للنزاع، فالأحكام الشرعية المتلقاة من الكتاب و السنة وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49)() سورة الماءدة
فالقضاء والقدر باجمال و اختصار هو حكم الله تعالى في امر ما بمدحه او ذمه و بكونه و ترتيبه على صفة معينة و إلى وقت معين فقط، و قيل هو ما قدر الله تعالى و قضاه في العالمين في علمه الأولي مما لا يملكون صرفه عنهم، و هذه العقيدة جاء بها جميع الرسل و امرت بها الرسالات الإلهية، و ليست خاصة بالمسلمين فقط، بل تطبق على جميع البشر.
القضاء و القدر كلمتان متلازمتان و لفظان لا ينفصلان، احدهما يكمل الآخر، القدر بمنزلة الأساس او القاعدة و القضاء بمنزلة البناء.
القضاء و القدر من القران
يقول الله تعالى في محكم آياته
﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور ﴾ [الحديد: 22-23].
* قوله تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} (القمر:49)، ومعناه أن الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء بمقدار قدّره وقضاه، ويتضمّن ذلك –وفق الملاحظ من سياق الآية- وعيداً على المجرمين المكذبين بالقدر والكافرين به.
* قوله تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديراً} (تبارك:1)، ومعناه أن كل شيء دون الله سبحانه وتعالى فهو مخلوقٌ مربوب، محتاجٌ إلى مليكٍ وإلهٍ يسخّر أموره ويُقدّر له أقداره، وأن كل شيء تحت قهره سبحانه وتسخيره.
* قوله تعالى: { سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدراً مقدوراً} (الأحزاب:38)، ومعناه كما قال ابن كثير: “وكان أمره الذي يقدره كائنا لا محالة، وواقعا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن”.
* قوله تعالى: { فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى} (طه:40)، ومعناه أن مجيء موسى عليه السلام في هذا الميقات المحدّد والمكان المعدّ وفق إرادة الله سبحانه وتعالى ومشيئته، ليتمّ ما قدّره سبحانه وأراده من إرساله إلى فرعون رسولاً.
القضاء و القدر من السنة النبوية:
بلغت الأحاديث الدالة على مسألة الإيمان بالقضاء والقدر حد التواتر المعنوي، نذكر منها الآتي:
* حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: بينما نحن عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، -وسأله عن الإسلام ثم قال له-: فأخبرني عن الإيمان، فقال عليه الصلاة والسلام: ((أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره))، فقال الرجل: صدقت، والرجل هو جبريل عليه السلام، والحديث في مسلم.
* عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه) رواه الترمذي.
* عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:(لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر) رواه الترمذي وأحمد.
* عن أبي عزة رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا قضى الله لعبد أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة، أو قال: بها حاجة) رواه الترمذي.
ان الأدلة الدالة على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر عديدة، لكن نكتفي بما وضعناه، و ننتقل للفوائد أو الحكم من القضاء و القدر، كالتالي.
الحكمة الأولى، الا تحزن عن فوات شيء من الدنيا و مصالحها، اذ ان ما لم يقدر، ينقطع الطمع فيه و الحزن و الأسى عليه من الحمق، و الله لا يريد لنا ان نقع في ذلك، لما ينتج عن الحزن من الآثار الجانبية و السيئة على فكر المرء و تصرفاته، كذا فرصة الشيطان لعنه الله ان يتلبس بالإنس و يوسوس له.
الحكمة الثانية، ان الناس عند حدوث النعم ينقسمون الى قسمين، فضعيف الإيمان بالقضاء القدر يطير فرحا، و يمتلئ فخراً و تكبرًا، و كأنه و العياذ بالله لم يصدق بما حصل له. اما قوي الإيمان الذي يعلم ان تقدير الله عز و جل سبق وجود هذه النعم، فانه لا يتغير عنده شيء لعلمه و إيمانه.
فالإيمان بالقدر لا يعني إلغاء الحذر ولا يعني الاستهتار، والأقدار هي مسيرة حياة لا مواجهات ولا مجازفات، ولا مغامرات، ربما نحتاج في عالمنا العربي والإسلامي إلى إعادة إنتاج كثير من قضايا التراث بما يبعد عنا التخلف والجهل والاتكالية و التقاليد العمياء، نحتاج لتعريف جديد للقدر غير ما فهمه الشيوخ.(مع كامل تقديري و احترامي للشيوخ الأفاضل)
عمر بن الخطاب رضي الله عنه و أرضاه عرف القدر والتوكل على الله بالمقولة الشهيرة للإعرابي صاحب الحمار الذي لم يربط حماره أمام المسجد، متوكلاً على القدر ومن خلفه القدير، فخرج ولم يجد حماره وذهب إلى عمر دافعا بالاتكال على الله فقال له عمر: إن التوكل على الله يعني “أعقل وتوكل”. أي اربط حمارك وبعدها توكل على الله وليس أن تتركه سائباً ومن ثم تلقي بالمسؤولية على القدر.
وهكذا الأمر في مواجهة الأوبئة والكوارث والمصائب وأي أحداث مهما كان تصنيفها، إذ الاعتماد على مقولة “قل لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا” لن يفيد، فهذه المقولة هي في منطقها أننا بعد أن نأخذ بكل الحذر المطلوب والاحتياطات اللازمة و الأسباب، ورغم ذلك حصل المكروه أو نقيضه فهذا من فضل الله، أما إذا لم نأخذ بما هو مطلوب لمواجهة الحدث فأية إصابة تصيبنا هي من فعل عقولنا وسوء تقديرنا والله ليس مسؤولاً عنها.
من هذا المنبر، اود ان أشير إلى نقطة مهمة جدا، ما يعيشه العالم اليوم بأسره من انتشار فيروس كورونا, هذا الوباء قضاء و قدر، كل شيء يقع، مقدر، لا عقاب الهي للصين- و الصين تعافت من الوباء- و لا يحزنون!
حفظنا الله و اياكم.
*نيويورك، الولايات المتحدة ألأمريكية
Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail