العفو عن المعتقــــــــــلين

  • بقلم : عبداللطيف وهبي

عندما دعوت في المقال السابق إلى الإفراج عن المعتقلين، تلقيت ردود فعل مختلفة، بعضها ينتقد السياق الزمني للمقال، والبعض الآخر ذهب بعيدا وصار يناقش مفهوم الاعتقال السياسي من الأساس، يسألني باستنكار: هل يوجد معتقلون سياسيون بالمغرب؟

بينما آخرون فقد كانوا متحمسين لدعوة الإفراج بشكل مطلق.

أدرك جيدا أن موضوع الاعتقال السياسي لا يزال يطرح توجسات من طرف البعض- على الأقل لغويا- بل يوحي لديهم إلى إشكالات عدة، رغم أن الفقه الحقوقي حسم الموضوع حين وصف المعتقلين السياسيين أو الجريمة السياسية بأنها كل فعل وراءه بواعث سياسية،

وليس بالضرورة أن يكون ذلك الفعل معارضا لرأس النظام السياسي، إذ يمكنه أن يكون ضد الحكومة، أو ضد قرار صدر من جهاز سياسي أو يملك السلطة السياسية أو تدبير لقضية من طرف مؤسسة سياسية بقرار سياسي،

غير أن ما يخل بهذا الموضوع هو عندما يرتبط بانزلاق ما، قد يحول الفعل إلى جريمة.

وبخلاف ذلك فإن معتقلي الرأي لا يعتبرهم الفقه مجرمين، بل يعدهم ضحايا لحرية التعبير.

لذلك نجد أن المنظمات الدولية تطالب باحترام شروط المحاكمة العادلة للمعتقلين السياسيين. أما بالنسبة لمعتقلي الرأي فهي تطالب بالإفراج الفوري.

وحتى نكون واضحين جدا، دعونا نقول إن معتقلي الريف وجرادة، أو أولائك الذين يكتبون، أو آخرون، فقضيتهم غير مرتبطة بموقف من رأس النظام.

لأن هذا الموضوع تجاوزناه وطنيا بإجماعنا حول الثوابت، بل إن هؤلاء المعتقلين لهم خلاف واضح مع التدابير السياسية للحكومة، أو مع بعض قرارات الجهاز التدبيري.

والمعتقلون أنفسهم باستمرار كانوا يصرحون بذلك ويعلنون عنه.

أما القضاء، فكثيرا ما لا يدخل في هذه التفاصيل، ويعتبر أن وجود نص قانوني يجرم فعل معين يرى معه ضرورة تحرك العدالة بالرغم من أن هذا الفعل قد يكون مجرد انزلاق في ظروف ما.

ويقع هذا خاصة إذا كانت تلك التصرفات تمس بالسلامة الجسدية للآخر، أفرادا أو جماعات، مدنيين أو رجال أمن يستوجب تدخل القضاء لتحقيق المتابعة.

بمعنى أن القضاء يتدخل متى توفرت الشبهة، أو كما قال أحد الفقهاء “عندما يسيل الدم في الشارع، فلابد أن يدخل أحدهم السجن دون الدخول في مناقشات حول حدود المسؤولية لهذا الشخص أو ذاك”.

وبعيدا عن الفقه والقانون، ولأننا نتحدث عن أشخاص في وضعية اعتقال، فهم جزء لا يتجزأ من قضية عامة تطرح نفسها بقوة في ظل  الوباء المنتشر.

وهذا ما يجعلنا نؤكد على أن الموضوع له علاقة بتدبير سجوننا، الأمر الذي يفرض علينا الانتباه إلى قضية السجون بشكل أكبر مع هذه الظرفية الوبائية الصعبة، خاصة مع الاكتظاظ الرهيب الذي باتت تعيشه سجوننا، بعدما بلغ عدد السجناء اليوم 85 ألف سجين، أي ضعف الطاقة الاستيعابية والمحددة في 35 ألف سجين كأقصى حد.

وهو ما يجعل الخطر مضاعفا في حالة -لا قدر الله- تسرب الوباء اللعين إلى داخل السجون الذي هو فضاء مغلق، فتكون حياتهم حينها مهددة، عكس يومنا هذا الذي لا تزال الوضعية متحكما فيها بمجهودات جبارة واستثنائية يقوم بها كافة أطر المندوبية العامة للسجون، الذين يشتغلون أصلا في ظروف جد صعبة بسبب قلة الإمكانيات المادية والبشرية، والتي زادتها تحديات كورونا صعوبة ومرارة.

إن اكتساح هذا الوباء اللعين لسائر بلدان الكون، جعل المنتظم الدولي لحقوق الإنسان يغير من مواقفه اتجاه المعتقلين بكل أصنافهم.

فمثلا السيدة باشليه المفوضة السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، انتقلت من مطالب المحاكمات العادلة للمعتقلين إلى ضرورة الإفراج عن معتقلي الحق العام الذين لا يشكلون خطرا على الأمن والسلم الاجتماعيين تفاديا لجائحة “كورونا”.

ومن هؤلاء المعتقلين الذين لا يشكلون خطرا نذكر كالمعتقلين المسنين، أو ذوي الأمراض المزمنة، أو النساء الحوامل أو اللواتي لهن أطفال داخل أو خارج السجن، أو السجناء الذين قضوا ثلثي العقوبة، أو بعض مرتكبي الجرائم الصغيرة الذين ليست لهم سوابق.

كما يمكن أن نذكر كذلك المعتقلين الاحتياطيين الذين يمكن تطبيق الشروط الاحترازية في مواجهتهم كالضمانات المالية والشخصية أو التدابير القضائية، أو الدعوة إلى تفعيل الإفراج المقيد.

وهذه كلها إجراءات وأخرى غيرها يسمح بها القانون في حق هؤلاء؛ فما بالك فيما يهم المعتقلين الذين التمست الإفراج عنهم سابقا.

إن استغلال هذه الآليات القانونية، سيخفف لا محالة من الضغط الذي تعيشه السجون في البلد،

وقد ننقذ من خلال هذه الإجراءات أرواحا ونتفادى تحول السجن إلى مجزرة صحية -لا قدر الله- في حالة انسلال هذا الوباء اللعين إلى داخل السجون.

ولعل ظروف الإجماع الوطني حاليا، وذلك الانسجام المجتمعي والمؤسساتي القوي الذي نعيشه اليوم ونحن نواجه “كورونا”، بات يشكل مناسبة مواتية لمزيد من الحميمية التي قد تنتج عن الانفراج.

إنه انفراج في الأوضاع بعفو عام بقرار من جلالة الملك، فسلطته وموقعه الدستوريان يمنحانه السلطة المطلقة في ذلك، من خلال تقييمه لمفهوم مصلحة المواطن، والمصلحة العامة، ومصلحة الزمن السياسي، وهو مجال يملك فيه جلالة الملك كل السيادة.

لذلك، فاللجوء إلى مقامه السامي طلبا للعفو بقدر ما هو تشريف هو أيضا حق لكل مواطن مغربي كيفما كان موقعه.

فأبواب جلالته مفتوحة وقدرته على الإنصات والتفاعل تميزانه كرئيس للدولة لتحقيق هذا الانفراج.

لذلك كله لن أتردد مرة أخرى في التماس عطف جلالة الملك بالعفو على كل ما يمكن أن تتوفر فيه الشروط، وفقا لما يراه جلالة الملك مصلحة، وحيثما تكون المصلحة فثم شرع الله الذي يحرص عليه أمير المؤمنين..

  • محامي وبرلماني.
Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail