وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) و جدلية الإنتصار و الإندحار

*بقلم/بنجلون فخيتة

لقد أظهرت الأزمة الحالية المرتبطة بالطفرة الوبائية المجسدة حاليا في وباء فيروس كورونا المستجد الآثار السلبية للعولمة والاستعمالات غير السوية للتكنولوجيات الحديثة و المتطورة و للشطط في ممارسة حرية الرأي و التعبير و عدم التمرس في التعاطي الأولي مع صناعة صينية أغرقت دول العالم و حطت رحالها بالمغرب، فوردت المعطيات الخاصة بها و الانطباعات الأولى كما بثتها حسابات اليوتوب الخاصة بنوع من الرداءة، بمحتويات تطفح بالتفاهة التي تتقاسمها مواقع التواصل الاجتماعي.

باستحضاري الدائم لأول محاضرة بمدرجات الجامعة و لعبارة “مجتمع القانون لا دولة القانون”، اضطررت لتجاوز المفاهيم الدلالية المعتبرة من ضمن العمليات المعرفية الابستمولوجية المعقدة للتعويل المطلق على الدولة من أجل فرض النظام على أساس انسحاب الجميع من هذا الدور، فاتضح أن مستويات الاستجابة المؤسساتية حضرت و غابت النجابة عن بعض فئات المواطنين خاصة في الأوساط الشعبية و جنحت نحو الاستهتار و إهدار وقت اقتضى إعمال الورقة البديلة ل”دولة القانون” و “قانون الدولة” وعقلها الأمني، و بالتالي فرض بقاء الناس في بيوتهم إلا للضرورة حتى أجل غير مسمى، وخلق تباين المواقف و تباين مستويات الاستجابة و الانضباط و المسافة اللازمة بين الطموح و الجموح، و أدركنا أن بعض فئات المجتمع المغربي لم تمتلك النضج الكافي ل”مجتمع القانون” لتوطن نفسها في “دولة القانون” و تجد لها به موطئ قدم.

المسألة صارت مسألة حياة أو موت، و اقتضى الأمر التدرج من التحسيس إلى نشر قوات الأمن، مؤازرين بالقوات المساعدة تحت إشراف السلطات الترابية كي لا يبقى الخطاب التحسيسي بضرورة الاحتراز أقرب منه إلى الرجاء للمواطنين أو محض حملة توعوية مثل تلك الحملات الدورية للإقلاع عن التدخين بالأماكن العامة أو لإقناع السائقين بتفادي السرعة المفرطة، فسياق الجوار اقتضى و يقتضي تدابير استثنائية، بأيادي لا ترتعش حتى يستتب الأمن و ينتعش الأمن الاقتصادي و المعيشي دون أن نعيش السكتة القلبية و التوقف اللذان تعرفهما سلاسل التموين بعدد من الدول: فثنائية محلات و بقالات القرب و المتاجر الكبرى حققت استقرارا و مصادر تموين مستمرة بدون انقطاع، انخراطا منها في التدابير المتخذة من قبل المملكة، و في سياق تيمنها بالمبادرة الملكية القاضية بإحداث صندوق الدعم جريا على جميع المبادرات المولوية في إنجاح أي ورش مجتمعي ديمقراطي إنساني، تحركت في إطارها عموم الطبقة الرأسمالية و حركها الوازع الوطني لتحذو حذو جلالته و تقدم تبرعات غدت الصندوق المذكور، فتوالت بعدئذ التبرعات التي قدمها طوعا كبار مسؤولي الوزارات و المؤسسات العمومية و الخاصة، و من ورائهم مرؤوسيهم.

هذه المبادرة التكافلية تجاوزت خرائط العبث المادي لتجسد قيما لا مادية ذات أبعاد إنسانية بمرامي تحقق التكافل الاجتماعي، تنأي عن معيار التوقعات للدولة للعمر الافتراضي للأزمة، و لم تعزل أي فئة أو هيئة نفسها عن مبادرات الدعم المالي و تقديم إمكاناتها المالية المنقولة و غير المنقولة للوطن و من خلاله لباقي المواطنين.

سلطة القضاء في صلب خطط القضاء على الداء

لم تشذ السلطة القضائية بدورها عن هذا النهج، فخطا المجلس الأعلى للسلطة القضائية خطوة جبارة نحو الديمقراطية الإنسانية الهادفة إلى حماية منظومة العدالة برمتها مترجما بذلك التعليمات الملكية إجرائيا للحد من وباء فيروس كورونا المستجد، فبادر في إبانه إلى تعليق الجلسات بمختلف محاكم المملكة حتى إشعار آخر ( باستثناء قضايا الجنايات و الجنح التي تهم الأشخاص المعتقلين احتياطيا و المودعين بالمؤسسات السجنية وقضايا التحقيق والأحداث و كذا القضايا الاستعجالية التي لا تحتمل التأخير)، ليعقبه بعد ذلك إصدار مذكرة موضوع تفادي إحضار المعتقلين بالمرة إلى قاعة الجلسات و تأخير ملفات الجنايات إلى حين انتهاء الحجر الصحي، درءا للأخطار التي يمكن أن تحيق بشكل فردي أو جماعي بمساعدي القضاء و مرتفقي العدالة والمتقاضين و كذا العاملين بالمحاكم من قضاة و موظفين.

تقليص عدد المترددين على ردهات المحاكم رام بالمقابل رفع مستويات السلامة في حدودها القصوى و تفادي التردي، دون أن يكون ذاك مدعاة للتسيب بذريعة الوباء، و في سياق آخر استصدر الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية و الرئيس الأول لمحكمة النقض،  مصطفى فارس، بلاغا يعلن من خلاله التجاوب الوطني المسؤول لجميع المسؤولين القضائيين و قاضيات وقضاة المملكة و تبرعهم بنصف راتب شهر واحد لفائدة الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا دون تسقيف أو مراعاة لسقف الرواتب، مجسدا بذلك خدمة القضاء للوطن، أسوة بصنوه على رأس النيابة العامة، باعتبارهما أهم مدماك في مسار النظام المؤسساتي للسلطة القضائية و صيرورة التقعيد للأساس القيمي لاستقلالها و انتسابها لسلطة قضائية واحدة و موحدة.

وقد سعت مؤسسة رئاسة النيابة العامة من خلال بلاغها الصادر عن رئيس النيابة العامة و الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، محمد عبد النباوي ،حماية الضلع الثلاثي للمسار القضائي ( المرتفق و المحامي و قاضي النيابة العامة) من خلال دعوة المتقاضين إلى التقليص من توافدهم على النيابات العامة و المراهنة على التحول الديجيطالي الذي طال المحاكم انطلاقا من برامج التبليغ الرقمي و المداولة الرقمية و انتهاء برقمنة القرارات و بناء الأرشيف اللامادي، مرورا باعتماد النيابة العامة للخدمات الرقمية الذكية و تبني تقديم الشكايات بواسطة الفاكس أو بواسطة البريد الالكتروني الخاص بالنيابات العامة المعنية، و المعلن عنها محليا، فضلا على صفحة الموقع الالكتروني لرئاسة النيابة العامة و و ضع خطوط هاتفية بجميع النيابات العامة رهن إشارة المحامين و المتقاضين لتمكينهم من الحصول على المعلومات و الإرشادات في الحالات المستعجلة، و في ذلك ترجمة حقيقية للدور الطلائعي الذي لعبته مؤسسة رئاسة النيابة العامة في تحقيق الولوج المستنير “لمرفق العدالة الرقمية”.

تعبئة لتنطيق الداء و الوباء و تطويق مروجي الغباء

تظافرت جهود النيابات العامة من مختلف محاكم المملكة و المديرية العامة للأمن الوطني و الدرك الملكي في إطار تعبئة قضائية اقتضتها خواريزميات مواجهة الوباء بحكمة و ذكاء، و قطع الطريق على بعض مروجي خطاطات الغباء التي يطفح بها العالم الأزرق، حيث تم التصدي لبعض مواطن الصدإ و التي لاقت استهجانا و لم تلق الصدى الذي ابتغاه له مروجوها، في ضرب سافر للمخطط الوطني لمواجهة الفيروس المستجد و المبادرات التي رامت توفير المواد الغذائية الضرورية و إنقاذ القدرة الشرائية للمواطن الذي خرجت بعض فئاته للبحث عن كورونا و حجرت على المواد الغذائية بالرفوف، في الوقت الذي كان فيه الصينيون يحجرون على أنفسهم دون مؤونة.

لقد أبانت هذه الظروف عن انخراط باقي الأجهزة في تنزيل مخطط المواجهة و الانخراط في العملية الاستباقية و آليات اليقظة الوبائية و انبرى رجال السلطة بشكل خاص للعمل الميداني و بنكران ذات منقطع النظير، ناظم تدخلاتهم قربهم اليومي من المواطن و معرفتهم بمواطن الخلل و الزلل على المستوى الترابي، فقادتها الحملات التحسيسية نحو الأزقة و الشوارع و نحو الفئات الهشة و المتشردة، و استتباب الأمن و ثنى بعض الفئات المارقة لضلوعها في أعمال التحريض على التجمهر و العصيان، و إمعانها في عدم الالتزام بضابط الوقاية و الانضباط اللازمين لأوامر السلطة العامة، فضلا عن بعض حالات إهانة هيئة منظمة قانونا، مع ما ترتب عن ذلك من توقيف المتورطين في تلك الأفعال تحت إشراف النيابة العامة.

بتظافر تلك الجهود و مستويات الانخراط و المبادرات التي نشهدها و نشهد لها بالوطنية الصادقة، يقف المغرب على عتبة الانتصار، ما لم تكف بعض جيوب المقاومة أذاها الاعتيادي و حرصها على تعكير الجو و تخصيب مفاعلات الانفعال و التبئيس و التيئيس ماضية في بث فكر ظلامي و انهزامي، و إشاعة ثقافة التخبط، و الفوضى، و العشوائية، و سوء التخطيط، و الارتجال و اللاوعي و غيرها من السلوكات و المواقف التي لا يستسيغها عقل و لا منطق من نساء و رجال هذا الوطن الذين أبانوا عن مستويات عالية تجسدت أساسا في سن حكامة مؤسساتية و صحية و أمنية رفيعة في إدارة الأزمة و مترفعة عن الانتساب لهيئة أو لمنطقة أو لفئة اجتماعية معينة.

بمنظار العلاقات الدولية و إن سلمنا لمقولة مساهمة التداعيات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية لهذه الأزمة الوبائية في تدهور أكبر للعلاقات الدبلوماسية و إضعاف التكامل الأوروبي و التعاون المتعدد الأطراف، فإنها على طرفى النقيض من ذلك، نعتبر أنها ستقوي لا محالة لحمة التكافل المغربي و سداه تحت القيادة السديدة و الرشيدة لرئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ملكنا و عاهلنا محمد السادس أمير المؤمنين، حامي حمى الملة و الدين، سبط النبي الأمين، عليه و على أله و عثرته أفضل الصلاة و أزكى التسليم في كل آن و حين، و من تبعهم إلى يوم الدين.

مؤشرات الأداء أشد إنباء من منصات الآراء

الوباء خلق مسارات جديدة للفهم و التعاطي مع بعض الظواهر في حينه و إبانه لصوغ استجابة وطنية مشتركة، انخرط فيها الكل، إضافة إلى الحقوقي و القانوني، و رسموا جميعا خطاطات تعزيز قدرات الفعل الجماعي التي تفوق قدرات الفاعل الواحد، وفق آليات استجابة مبكرة و نجاعة غير مسبوقة في استنهاض همم كل القوى الحية لتنبري عن بكرة أبيها، و تصوغ بلاغة الفعل الصائب الذي لا يحتاج بعدئذ لتصويب: فلا مجال للخطأ أو السكونية و لا مناص من المبادرة و المشاورة و وصد باب المناورة أمام كل متفيقه، لأن للقضاء اجتهاده المقاصدي بالفهم الذي أسس له الإمام الشاطبي، فأقر القضاء الاستشفاء الوجوبي، و يمكن أن يلجأ لاستصدار قرارات العزل الاتقائي بتنسيق مع أطر الجهات الصحية و بتفعيل للضبط الاداري للسادة الولاة و العمال و للسلطات الترابية و رؤساء المجالس المنتخبة في إطار ممارستهم اختصاصات الشرطة الإدارية درءا للمفاسد و تحقيقا للمقاصد.
ثقافة إدارة المخاطر و الأزمات بدأت ترتسم و تتجاوز ما وجده الفيروس من خطاطات غير محينة لم تتجاوز في جلها عتبة الآنية، بعيدا عن الجودة الشاملة التي لم نجدها إلا بعد حين مع الاستخدام المحتشم للتكنولوجيا و للتحول الرقمي في العملية التعليمية، و الحال أنه كان يفترض أن تكون الحكومة برمتها “حكومة الكترونية” و تحرك الكتروناتها في الوقت المناسب بدلا من الانتظارية.

و في الأخير تجدر الإشارة إلى أنه بالرغم من أهمية النصوص القانونية المتاحة أو التي صدرت في سياق ظهور وباء فيروس كورونا المستجد بالمغرب و التي ترمي إلى محاصرة الوباء بسياج قانوني يردع خارقه و لما لها من دور فعال في إرساء دعائم الأمن الاجتماعي، يطفو على واجهة الأحداث سؤال مؤداه كيفية مواجهة العوالم الخفية التي يطغى عليها الذكاء الاصطناعي و التوجه العلمي و السرعة و التكنولوجيا و البعد الافتراضي الذي أضحى محورا لعوالم التواصل و الاتصال و المعاملات و السلوكيات الانسانية فردية كانت أم جماعية: هل ستنساق مع التيارات المستقبلية الجارفة أم ستحافظ على الحدود الدنيا للطبيعة و الفطرة و الثوابت القيمية و الأخلاقية للإنسان بما يتماشى وروح العدالة و جوهرها؟ .

سنترك السؤال مفتوحا و منفتحا على مشاريع إجابات تظل رهينة بضرورة تعزيز منهجية تشاركية و استراتيجية شاملة التي تتناول هذه الآفة البيئية ببلادنا كمهمة وطنية بامتياز تتظافر فيها جهود مختلف الفاعلين السياسيين و المدنيين داخل المجتمع الدولة – القاضي- المجتمع، باعتبار هذا الأخير محكا حقيقيا لتجاوز هذه الأزمة البيئية على أساس التحلي بحس عالي من المسؤولية و بوعي فكري و تضامن إنساني، لعلنا نحفر اسم بلدنا ضمن الدول التي صمدت و خلدت صمودها في سجلات التاريخ المعاصر كما كانت منذ العهد الغابر و شهد بذلك الغائب و الحاضر و صدحت به الحناجر بين السرايا و المنابر.

*قاضية بالمحكمة الابتدائية بوزان
طالبة باحثة في العلوم القانونية بسلك الدكتوراه بكلية الحقوق السويسي الرباط

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail