مؤرخ الأزهر وأديبه محمد رجب البيومي متحدثاً عن نفسه

*بقلم: د. علي زين العابدين الحسيني الأزهري

كان شيخنا أديب الأزهر ومؤرخه ضاحك المحيا، هادئ الطباع، متحلياً بأخلاق النبلاء، متجملاً بتواضع العلماء، خط الشيب شعره الناحل حينما التقيته، يحمل على رأسه تاجاً من الشعر الأبيض المرسل، له روحٌ عالية من المودة، ونفسٌ صافية، وقلبٌ لا يعرف إلا أجمل القيم، وهمةٌ عالية لا تنقطع عن التصنيف، لا يضن على الصغار بالتشجيع فيقرأ ما يكتبونه، ويعانق طلابه قلباً بقلبٍ، لا تزدهيه أمجاده المتمثلة في كتبه وإنجازاته العلمية.
كانت أدبياته عارمة حيث تميز بأسلوبٍ ناصع البيان، وتتراءى في كتاباته الأدبية جميع فنون البلاغة، وكان حلو اللفظ والمعنى، أديباً مؤرخاً متعدد المواهب والاهتمامات، صاحب حرص على لقي العلماء والصالحين، محافظاً على وقته، يمتلك بيتاً في مكتبته، وغيره يمتلك مكتبة في بيته، وقد عاش أكثر من سبعين عاماً منشغلاً بالعلم والتأليف، وكان أحد أعمدة الأزهر العظام.
يختار ألفاظه باعتناء من سبائك الذهب، وينتقي أسلوباً في الكتابة جميلاً بليغاً معبراً، فكان غنياً بمعجمه اللغوي في وصف الأحداث وكأنك تعيش فيها، وفي تراجم العلماء والمفكرين، وقد امتاز عن غيره من المؤرخين بالعمق الفكري، والوعي التاريخي، فيوظف ثمرات الكتابة في الأحداث في تنزيلها على الواقع وأخذ العبر، وتنفرد تراجمه باستنهاض الأمة لليقظة.
زرته في بيته يوم الأربعاء 26 من شهر الله المحرم سنة 1428، الموافق 14 من شهر فبراير سنة 2007م عقب صلاة العصر، وطلبت منه أن يملي عليّ ترجمة مختصرة لفضيلته شرط أن تكون من لفظه، فكانت هذه الترجمة، وقد مضى عليها أكثر من 13 عاماً أردتُ في نشرها الآن أن أجدد بها ذكره وأنوه بها على أثره، وسيلاحظ القارئ أن الشيخ لمزيد تواضعه أملاها بصيغة الغائب عن نفسه، وها هي بين يديك دون زيادة أو نقصان:
(الاسم: محمد رجب البيومي.
ولد سنة 1923م في محافظة الدقهلية [بمصر] ونال عالمية الأزهر سنة 1949م، والدكتوراه سنة 1956م، وسافر إلى أكثر البلاد العربية محاضراً وأستاذاً، وله مؤلفات كثيرة في الأدب والتاريخ والتشريع الإسلامي والسيرة النبوية، وهو الآن أستاذ متفرغ بجامعة الأزهر، وعضو مجمع البحوث، ورئيس تحرير مجلة الأزهر، وقد أصدر موسوعة إسلامية لأعلام النهضة الحديثة في ست مجلدات كبار، ونال جوائز الدولة في مجمع اللغة والمجلس الأعلى للفنون، وله تلاميذ كثيرون حيث أشرف على رسائل علمية تبلغ الخمسين، ويرجو من الله حسن الختام.
وقد لقي أساتذة كثيرين يذكر بالفضل منهم: الشيخ محمد عرفة مؤلف إحياء النحو، والشيخ أحمد شفيع السيد أستاذ الآداب بكلية اللغة العربية، وأعظم مَن تأثر به من أدباء مصر: الأستاذ أحمد أمين، والأستاذ أحمد حسن الزيات، والأستاذ محمد فريد وجدي، والأستاذ محمد الخضر حسين.
أعرف من المحدثين جماعة من الفضلاء منهم: الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي، والشيخ أحمد شاكر، والشيخ مصطفى ناصف وغيرهم).
وحين أملى عليّ ترجمته طلبت منه الإجازة برواية كتبه ومؤلفاته، فأملي عليّ هذه الإجازة:
“أجيز لكم رواية مؤلفاتي وتبلغ الخمسين وبخاصة ما يتعلق منها بالتفسير والبيان النبوي والبيان القرآني وصحابة الرسول وتراجم أبطال المسلمين وعلمائهم الأكرمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم”.
ويستطيع العارف بأدوات الكتابة والبصير بالأدب أن يجدّ لكل كاتبٍ أو أديبٍ معاصر شبيهاً يماثله في السابقين أو المعاصرين، لكن لا يستطيع فيما أحسب أن يجد لشيخنا البيومي في نثره وأدبه وشعره ودفاعه عن الإسلام وإظهار النهضة الإسلامية من خلال سير أعلامها المعاصرين.
لقد كان محمد رجب البيومي نسيج وحده دون خلاف، ولقد ظلم بالنسبة إلى سواه لدى مؤرخي العصر، ويرجع ذلك لسببين:
الأول: كان زاهداً منجمعاً عن الناس، مقبلاً على شأنه، قانعاً بما يأتيه، لا يتداخل كغيره في أمور الدنيا، غاضاً بصره عن متاعها مهما كان لونه.
والآخر: ظروف وفاته، حيث توفي يوم السبت الثاني من ربيع الأول سنة 1432ه الموافق الخامس من شهر فبراير سنة2011م، وانشغل الكلّ عن وفاته بأحداث مصر المضطربة في هذا الوقت.
أوجزت في كتابتي عن الحياة العلمية والعملية لشيخنا المؤرخ، واكتفيت بما أملاه علي من سيرته، وحسبي أن تكون كتابتي كتابة عاطفية محفوفة بالحب العارم لشيخ الأدباء الذي أجزل لي المودة والحب، وأكرمني بكرمه.
وبكلّ عرفان بالجميل أذكر لأستاذنا محمد رجب البيومي أنه أهداني كتابه (الأزهر بين السياسة وحرية التفكير)، وأكرمني بعبارة سخية سجلها بقلمه على غلافه: “إهداءٌ إلى الطالب النابغة علي الحسيني” ووقعها باسمه الكريم، وما كنت أحلم بأن يصفني بهذا الوصف وأنا الضعيف المقل في الفهم والعلم، وهو هو الأستاذ المؤرخ والأديب الكبير، وأسأل الله أن يجعل من وصفه لي أحسن نصيب.
لا زلتُ أسعد بأستاذية أستاذي الكبير وتأثيره علي، وولعي بكتبه ومؤلفاته، وله علي فضل الإرشاد والتوجيه، حيث شملتني رعايته، فلا أستطيع أن أردّ فضله في تشجيعي، ودعواته الصادقة.
فقدت كما فقد غيري في شيخنا البيومي قلماً مبدعاً قلّ أن يجود الزمان بمثله إلا كلّ حين، وفي قلوبنا حسرة ووجع من يوم وفاته، ولا أظن أنها ستخرج منا إلى أن نموت، ولله الأمر من قبل وبعد.

*باحث وكاتب أزهري

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail