هالات الجفون… أطياف وحكايات

هناك حين يسكن الانتظار بين حروف الملل، وتقتات الأجفان على بقايا الليل، ويحاول الخيال أن يرسم لوحة القمر بهالاته البهية، فإذا بالسحاب يحجب خيوط النور، وعندها تكون الهالات الأخرى في تقليد يعبر عن حكايات غير مكتملة.

إن الجفون لا تتكلم بلسان واحد، ولا تجتمع على لغة واحدة، بل إن حروف الهجاء لا تسعف العقل في فهم أسرارها ومعانيها، ولغة الجفون تبدأ بالدمع وتتدرج في سلم التعقيد حتى تتشكل حروف الهالات حولها، ومن يحاول فك شفرتها بمفتاح (السهر) فقط فسوف يبخس حق الهالات التي تتشكل في وضح النهار.

لقد أتعب الساري ظلام الليل، وأرهق طالب العلم سراج المذاكرة، وشق على العيون الساهرة جهد العمل، وأسدل البعد على المغتربين همومه وأتعبتهم أشواقه، وجاء في عصرنا ما فاق كل ذلك، جاء السحر الرقمي والطوفان التقني ليسرق جمال الجفون، ويرسم هالات العيون.

وبعد:  فقد استنجدت بالشعراء لفهم هذه اللغة العجيبة، حيث كان للجفون في قوافيهم شأن، وفي فلسفة أشعارهم ما يقرب صورة الهالات ويشرح بعض مفرداتها، فمنهم من أغمض الأجفان، وقال:
أغمضتُ أجفاني على مَضَضٍ
وطويتُ أحشَائي على الجَمْرِ!
والآخر حكى عن الأرق وأثره في صناعة الهالات على النظر، فقال:
ولم تدرِ بعدَ ذَهابِ الرّقاد
ما صَنعَ الدّمعُ بالنّاظرِ
والثالث عبر بلغة البكاء فقال:
فكم من أكفٍّ أغريت بتصافُح
وكم من جفونٍ أولعت ببكاءِ

وختاما:  تتنوع حكايات الهالات على الجفون، وهي تعبر عن تعب ألم بصاحبها، فإن كان إنجازا في الخير فطوبى له، وإن كان في الهوى واتباع الشهوات فتعسا له، وستختفي بلا شك تلك الهالات حين تشاهد عيونها نعيم الجنة، وصدق الشاعر حين قال:
وهل يخلد في سوى الفردوس نائم!

  راشد بن حميد الجهوري

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail