يوميات العطلة الصيفية.. مغرب المفارقات

*الزاهيد مصطفى

الأسبوع الأول:

في محطة القطار بالبيضاء اشتريت كل الجرائد الوطنية والأسبوعية التي هجرتها منذ سنوات، اللهم بعض القراءة للعناوين في المقهى على مضض، اشتريتها لتزجية الوقت فقط، طالعتها خلال الظهيرة، لاجديد ولاشيء تغير، بل ازدادت حدة السخافة في الصحافة-هناك استثناءات بخصوص بعض الملفات التربوية أو الثقافية التي لازال بعض الصحافيين يشرفون عليها- القضايا الحقيقية يتم تعميمها وسط ركام من الأخبار اليومية التافهة لشغل الرأي العام باليومي، وتصوير الأمور وكأنها أحداث عادية تقع بفعل عدم نضج المجتمع، أو استهتار مسؤول شاذ، أو تقصير من طرف آخر في مسؤولياته. لا أحد يشير للنظام العام للأشياء الممؤسس خارجيا أو داخليا في سيكولجة كل فرد منا بفعل التماهي مع النسق.

أخبار النهب للمال العام تملأ الصفحات، يوميا حتى صار القراء في المقاهي ينظرون إليها باعتبارها حالات عارضة وليست نسقا عاما ترسخ بفعل إقصاء المجتمع من حقه في السياسة والسياسي.

أطالع افتتاحية لعبد الحميد الجماهيري يولّد فيها المعنى من الغبار، ويحاول أن يستنطق بكل أدوات التحليل التي يبدعها السخافي/الصحافي  اليوم لتبرير الوضع الذي وصلنا إليه معيدا كيل المدح للتناوب التوافقي بقيادة اليوسفي،  ومذكرا بمحورية الملكية في التغيير الديمقراطي وقيادتها لهذا التغيير، هل الجماهري أصم أم أعمى؟ أبدا! لكنها لعبة البقاء على رأس جريدة حزبية يقود الحزب فيها رجل لايقبل أن يكون معه سوى من كان ثعبانا يغير جلده باستمرار للتأقلم والتكيف والمساهمة و التخذير، الحزب الوطني والاشتراكي البرنامج والاجتماعي يتآكل يوميا، لماذا يصير التاريخ عبئا على صناعه وحالميه، هو الزمن اللعبة الوحيدة التي لايمكن لأحد أن يقاومها، إنها تكشف زيف الجميع، حتى المعادن  النفيسة والخسيسة، فما بالك بالبشر متقلبي المزاج. المبادئ معايير متعالية كلما صار  الشخص واقعيا صار أكثر وضاعة وخسة هذا هو الدرس الوحيد بنظري، شعرت بالملل والتعب من التفكير، هرولت مسرعا لموجة قادمة اعترضتها مثل فيل  واستمتعت بالماء،  لكن الألم لازال مستمرا،  عليك أن تفكر لتعيش وأن تأكل لتحيا، كم هم كثيرون هؤلاء الأحياء وقليلون أولئك الذين لديهم شغف العيش؟

مع سائق طاكسي، مررنا من جانب أحياء تبدوا مكتظة جدا، وسحنات أصحابها تظهر أنهم مغاربة حقيقيون، سألت صاحب الطاكسي عن الأمر، عن سبب هذه التناقضات، فيلات هنا وفي الخلف كارينات، كان هائجا، قال لي: ماذا تريد؟ لم تعد هناك دولة، هناك مافيات منظمة في جميع القطاعات، أضاف بالحرف،”ليست هناك مؤسسات، هذي دولة ومؤسسات بلعاني خذها مني نصيحة” سأشرح”بلعاني” عبارة مغربية تعني أن الأمور ليست جدية مطلقا، وأن لاشيء يعني أن الأمر حقيقي”، نزلت في مانيسمان أسأل عن الصويري أو نبيل المشهور بأكلات السمك هنا حسب ما حكى لي نادل من أكدز يشتغل في مقهى لابرجواز،  السؤال الذي ظل في ذهني من سائق الطاكسي وصولا إلى ماسح أحدية،  الجميع يفهم اللعبة لكن من يضمن استمراريتها ؟ هناك شيء ليس على ما يرام، شعور الناس بالأشياء لايعني وعيهم بها، ربما هذا ما يمنع وقوع حدث يغير قواعد اللعبة . سير تكول الحوت “وديها في كرك” يقول صوت ممل ومنهك في داخلي.

في سوق تجاري يحكى أن أسهمه تعود للهولدينغ الملكي، دخلته فقط للتجول  وشراء علب طام، نظرا لإقفال أصحاب المحلات في حي يسمى بنيس على اسم المدينة الفرنسية بالمحمدية، قيل لي من طرف سائق طاكسي أن الوالي الرميل يقيم في إحدى الفيلات خلفكم،   داخل هذا المركب التجاري امرأة تضرب ابنتها بشكل عنيف وهي تصرخ فيها، أخبرتك أن لا تحرجينني دائما، “جينا ندورو ماشي نشري ليك ، باش غادي نشري ليك”، الفتاة الصغيرة تلاحظ في مكان الألعاب التي يبلغ ثمنها بين 200 درهم و 2000 درهم ، بعض الأطفال ” البويض جدا هههه” يشترون فلم تحرم هي من هذا الحق؟

لحسن الحظ أنني أعرف اللعبة وأقوم بإعداد نفسي لأنور مسبقا، حيث أخبره أن هذه الألعاب تافهة، ومعطلة وأن ألعاب السوق الأسبوعي والجوطية وغراج علال أفضل وأجمل. المشكلة ليست في الألعاب بل في غياب الرقابة على الأثمنة الباهظة، هناك ألعاب تجدها في سوق الجملة في درب عمر مثلا ب 300 درهم  بينما سعرها في ياتو أو مرجان يصل إلى 1000 درهم ويكتبون على اليسار PROMOTION -50% أضحك وأمر،أين جمعية حماية المستهلكين.ههههه

الأهم هو ما طرح في ذهني:  نحن هنا في قلب مركب تجاري مرجان تحيط به كل العلامات التجارية المعروفة من أديداس و دكتلون وكتيا ومكدونالدز وسيليو   وغيرها وخلف المركب ، يوجد  الكاريان  وأمامه حي نيس، وأحياء أخرى، الذي استغربت زوجتي منه هو  غياب الحركة فيه، والسبب هو أن الأغلبية لا تتحرك على أقدامها، فكل أنواع السيارات الفاخرة توجد هنا من الرانج إلى الجاغوار والفيراري، مدينة بهذا الحجم من التناقضات المجالية لابد أن تنفجر يوما، إنه قانون فيزيائي، تنافر العناصر  لايمكنه إلا أن يولد نوعا من الطاقة النشيطة في العمق التي ستؤدي إلى انفجار كبير يوما ما، لا أحد يفكر هنا في هذا الميز  العنصري الليّن، فهناك جدران كبيرة بين الأحياء وبين الطبقات، والأسواق والناس،  ربما تجسدها أسوار الفيلات وربما غلاء العقار و الأثمنة الباهظة لبعض المحلات “6 تاع لبتيبانات  قيمتها 6 دراهم تباع في مرجان المحمدية ب 32 درهما، لا أحد يحتج،  السوق وزبائنه المعتادون لايشكل لهم الثمن مشكلة، لكن الأمر لايتعلق بالقدرة على الدفع بل بالمعيار، بالقانون…….. إنه عزل منهجي قائم بطرق خفية وظاهرة، إنه نفس ما وقع في جنوب إفريقيا من طرف الإنجليز وفي أمريكا في حق السود، لكن في المغرب يقع الأمر  دون أن تراه الأغلبية الساحقة، لأن أساطير عديدة تغذي وهما تاريخيا بآسم الإجماع والاستثناء والمؤمنون إخوة والمغاربة يد واحدة… أساطير لا يقبلها غير السذج والمرضى، ليس المشكل في أن تكون هناك فئات غنية  لأن الأمر مرتبط بالتوزيع في العالم،  الإشكال في هذه الفوارق والتناقضات الصارخة التي لايمكن تبريرها في بلد لايحقق نسبة نمو تصل إلى 3.5 في المئة بشكل قار، ومديونية تصل إلى رهن 87% من الناتج الوطني لسادة العالم، وتجد فيه ثروة ريعية ممركزة في يد طبقة واحدة، هذا لايمكن إلا أن يكون وضعا شبيها بالتيتانيك المشي بسلام تام نحو الحائط كما يقول صديقي منير الحجوجي. نحو الكارثة.

يوم آخر : أستيقظ في السابعة صباحا،   أمشي قليلا وصولا لشاطئ مونيكا  أغطس رأسي في الماء وأعود للمقهى لأتناول فطوري،  هناك شيء آخر يسترعي الانتباه، الحرمان وسوء التوزيع المجالي والنهب العام هو السبب الأول في جميع الأمراض الاجتماعية، التحرش، التعصب الديني، السلفية، العداء الشديد لجسد المرأة، الإهتمام بالشريعة على حساب الأخلاق، كلها تجد عمقها في الحرمان وتجربة الذل والاحتقار التي ينتجها النظام من خلال جعل الاحتكار لكل الخيرات في البلد في يد أقلية صغيرة جدا، لاحظت أنه في  حي نيس  ومونيكا، كل الذي يخرجون من هذه الفيلات يلبسون ألبسة قصيرة جدا لكن الأمر لايثير انتباه أو حقد الأغلبية التي تجلس بالعشرات في الصباح الباكر لتناول الفطور في مقهى “لابرجواز”، يركنون سياراتهم،   من يبقي نفسه في هذا الحي يمكنه أن يحكم على أن المغرب بلد حداثي، وأن الاختلاف متجذر هنا، وأن التشدد الديني مجرد نشاز وحالة معزولة، فرض علي الابتعاد حوالي 3 كلمترات لشراء الدجاج، نظرا لأن الحي الذي أتواجد فيه هناك إمكانية وحيدة وهي دجاج مرجان الذي لا يعجبني، لاحظت سحنات الباعة المتجولين وأصحاب الدكاكين لم تكن راضية على قميص زوجتي القصير بنظرهم، لا أحد تجرأ على الحديث، أنا أيضا “مسبب نقودها مع شي قمقوم”،  لكن الأمر يبدوا غير مقبول وهناك امتعاض يعبرون عنه بنظراتهم، تلاوة للقرآن في أغلب المحلات، هنا تبدو مقولة أن البؤساء أكثر تدينا معقولة ومعبرة عن الواقع، هذا لايعني أن الطبقات الاجتماعية الأخرى أكثر حداثة بل هي أكثر انفتاحا على قيم السوق والاستهلاك، إنها تعيش استيلابا من نوع آخر، وفهما من نوع آخر للحياة، إنها تعتبر أن الحياة المعاصرة تتطلب هذا النوع من التسام على التدخل في شؤون الآخرين وفي أجسادهم ومعتقداتهم، لكنها في الحقيقة لاتؤمن بذلك عن فهم تاريخي أو سياسي أو ثقافي بل فقط لأنها نفسيا تجد نفسها في حاجة لهذا النوع من القيم للحفاظ على مصالحها وأسلوبها ونمطها في الحياة، بل حتى في قلب هذه الأحياء الراقية تجد المتشدد  والمتعصب الديني للباس وأسلوب الحياة المبني على الاختلاف الجنسي والمؤمن بأن المساواة في الإرث تجاوز لحدود الله،  لكن حين يتعلق الأمر بالمال فالقانون واحد “هز الشاقور والمقدة ودخل للسوق، وفي الجمعة والعيد لبس الجلابة البزيوية ولا الجبادول وقول على مولانا الحنين”.

يوم آخر: ستحاول أن تتخلص من كل هذه الملاحظات لتعود لذاتك، لقد وعدت أن أمضي الأسبوع الأول من العطلة دون تفكر سوى في نفسك وذاتك، لاتهتم لأمر العالم، للأسف جربت ووجدت أن  الأمر غير ممكن إن أردت أن تكون إنسانا،  لاتوجد ذات يمكن العودة إليها، العالم للأسف يقيم داخلنا، الأمر مختلف من الناحية الوجدانية، لايمكن للفينومينولوجيا أن تسعفنا هنا، فالعالم لايتجلى بآعتباره  موضوعا خالصا بل هو في العمق وعي بهذا الموضوع بشكل تأويلي متآن في الزمان والمكان، لكنه ليس تأويلا ثابتا، بل هو  تأويل خاضع لصيرورة شعورنا المتغير باستمرار ولعواطفنا المتضاربة،  هذا الشعور بالعالم لايمكن التخلص منه، يحتاج الأمر منك ليس إلى اللامبالاة، لقد اكتشفت أن اللامبالاة نوع من الشعارات الزائفة، لقد ارتكب صاحب كتاب فن اللامبالاة جريمة في حق الفكرة الأبيقورية القديمة، وهي جرائم متعددة ترتكب اليوم في حق الفكر وفي حق كل شيء من أجل الربح، كيف يمكن لمن لايلهم نفسه أن يكون ملهما؟  شعار: لا تهتم سوى بما يمتعك وابتعد عن ما يؤلمك زائف ومخادع، الأمر مختلف، ليست اللامبالاة هي التي تجعل الناس لايهتمون بالعمومي، وبقضاياه، إنه مرض خاص يمكن أن نسميه  الأنانية العاطفية، إن عدم الاكتراث هو في حد ذاته مبالاة شديدة تجاه الأشياء، لكن الفرد يمارس نوعا من القمع على ذاته، اتركهم، لست المخلّص، لاتهتم،  كلها تصويغات سيئة وتبريرات ذاتية، الأمر لا يحتاج أن تكون حيوانا، حتى هذه الفكرة التي اعتقدت أنها الدافع للمبالاة تخلصت منها، فالحيوان أيضا يهتم بمحيطه، يكفي أن تتابع سلسلة علمية حول السلوك الحيواني في البراري، البشر وحدهم يمكنهم أن لايكونوا مهتمين، حين يوجهون نظرهم فقط نحو أنفسهم ويستغرقون فيها، ربما العذاب الحقيقي هو أن تهتم فقط بنفسك، حاولت مرارا، ووجدت الأمر مستحيلا، إن الشرط الإنساني هو في العمق همّ والإهتمام بهذا العالم.لاشيء يمكنه أن يكون أكثر قسوة على الحياة من كراهية ذاتك، يتحقق ذلك حين تكره الآخرين، وعشق الذات يبدأ من خلال حبك للآخرين أيضا.

* أستاذ الفلسفة.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail