في ظلال صفقة الأنصار الرابحة

راشد بن حميد الجهوري

هناك لحظات في التاريخ لو قدر لها أن تتكلم لقالت: (انحتوا ما قيل على صخرة الشرف الرفيع، وانقشوا حروف عهده وميثاقه في دفتر المآثر الخالدة، واشهدوا على صفقة لا يعلم الكون أغلى منها ثمنا)، إنها حكاية مكانها العقبة في موسم الحج قبيل الهجرة النبوية بفترة بسيطة، عندما تسلل أهل يثرب بعد منتصف الليل لملاقاة خير البشر (صلى الله عليه وسلم)، وكان عددهم سبعون نفسا، وبعد أن تمت المبايعة الميمونة المباركة، انطلق سائلهم يسأل عن ثمن البيعة: فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ فَمَا لَنَا؟، فأجابه النبي(صلى الله عليه وسلم): الْجَنَّةُ، قَالُوا: رَبِحَ الْبَيْعُ لَا نُقِيلُ وَلَا نَسْتَقِيلُ.

إنها كلمات لا تحمل معنى التردد أو الشك بل تحمل معاني الإيمان واليقين بالوعد الكريم، وهل يمكن أن نسوي بين حياة فانية وأخرى باقية؟! لقد ربح الأنصار هذه الصفقة، وفي نفس الوقت هم يعلمون أن ثمنها نفوسهم وأموالهم، ويعلمون أن الخصم عنيد متربص بكل من يحمي محمدا ودعوته.

إن ظلال هذه الحادثة العظيمة، وهذا الموقف البطولي الذي رسم الأنصار من خلاله منهجية حياتهم المشرقة، وحددوا هدفهم السامي الرفيع، ليؤكد بجلاء أن من صدق الله صدقه الله، ومن أوفى بما عاهد كان من الرابحين، وأن التمسك بالدين وأحكامه هو الصفقة التي لا خسارة معها.

وبر الوالدين وإغاثة الملهوف وإعانة المحتاج ونصرة المظلوم والمسارعة في الخيرات مع إيمان صادق وعمل صالح أثمان لا تعرف الخسارة، وهي صفقات تثقل بها موازين الربح، وعلى عكسها يكون الوقوع في الموبقات هو نكث للعهد مع الله، وهو الخسارة التي لا تماثلها خسارة.

وبعد:  فكل عهد مع الله هو ربح محقق إن وفى صاحبه بما عاهد، وهو ربح أبدي ونعيم مقيم، والعاقل من وعى مقولة الأنصار واستثمرها في حياته.

وختاما:  علقوا عبارة الأنصار:  (ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل) على حيطان قلوبكم، تطمئن بها نفوسكم، ويهون ما تلاقون من مشقة أو تعب أو تضحية في سبيل الوفاء للدين، وطلب رضا رب العالمين.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail