عن فوضى صلاة التراويح !

     اسماعيل الحلوتي

إذا كان خليفة سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه وصديق الأمة أبوبكر رضي الله عنه، خاطب جمهور المسلمين عقب مبايعته على الخلافة بتعبير راق ولا مثيل له في تبسيط مفهوم الديمقراطية عبر تاريخ البشرية، حيث قال: “وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن قصرت فقوموني”. وهو الصحابي الجليل الذي قال عنه الرسول الكريم: “إنه لو وضع إيمان أهل الأرض في كفة، وإيمان أبي بكر في الكفة الأخرى، لرجحت كفة أبي بكر…”. فلم لم يأخذ بعض القوم المتظاهرين بالدفاع عن الدين العبرة من قول أبي بكر، عوض تفجير غلهم وحقدهم الدفينين على صحافية مغربية عزلاء إلا من قلمها، لم تأت منكرا تحاسب عليه في هذا الشهر الفضيل رمضان عدا أنها عبرت عن رأيها، منتقدة تنامي ظاهرة الفوضى العارمة التي باتت ترافق صلاة التراويح خارج المساجد في الفضاء العام؟

ذلك أن المسماة نورا الفواري الصحافية بيومية الصباح، تعرضت لحملة مسعورة في عدد من الصفحات على الفيسبوك وباقي مواقع التواصل الاجتماعي من قبل أشخاص نصبوا أنفسهم أوصياء على الدين الحنيف، حيث سارعوا إلى جلدها بأبشع الكلمات النابية متهمينها بالزندقة والكفر في تعارض صارخ مع تعاليم الدين والقيم الأخلاقية، دون أن يجشموا أنفسهم عناء التروي في قراءة مقالها المنشور يوم 16 ماي 2019 بالصفحة الأولى من نفس الجريدة تحت عنوان: ” صلاة التراويح… هي فوضى؟”، ومحاولة استيعاب أبعاده التي يبدو أنها لا تروم من ورائها عدا الدعوة إلى ضرورة الحفاظ على النظام العام، واحترام القانون بعدم احتلال الملك العام وعرقلة حركة السير، كما يدل على ذلك سؤالها الاستنكاري في العنون “هي فوضى؟”. فهي بذلك تسعى فقط إلى التنبيه لما يحدثه المصلون من هرج ومرج أثناء ممارستهم هذه الشعيرة الدينية في الشارع بشكل عشوائي، بدعوى الاكتظاظ الحاصل في المساجد وامتلائها عن آخرها.

ترى هل غاب عن أذهان حراس المعبد الذين لم يعد لهم من هم سوى شحذ سكاكينهم وتحين الفرص للانقضاض على “فرائسهم”، أننا في شهر رمضان، شهر الانتصار على النفس والابتعاد عن تصفية الحسابات الضيقة، الشهر الذي يرتبط بالإيمان الحقيقي واحترام الآخر مهما اختلفنا معه في الرأي، شهر البناء والإصلاح والتسامح والتوبة والغفران، شهر حسن الخلق ونبذ العنف والغلو، شهر المواعظ والحكم الحسنة وسلامة القلوب وطهارتها من الغل والبغضاء والشحناء…؟

وصلاة التراويح كما هو معلوم تندرج في إطار العبادات التي تعرف أيضا بصلاة القيام، والمتفق على إقامتها جماعة في ليالي شهر رمضان مباشرة بعد صلاة العشاء بالمساجد وليس خارجها. وهي من ابتداع الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ويجمع العلماء على أن الله لم يشرع الاجتماع في أداء نافلة من السنن غير صلاة الاستسقاء، وشرعه في الصلوات الخمس الواجبة يوميا وصلاة الطواف والعيدين والآيات وعلى الجنائز. وكان النبي الكريم سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، يقيم ليالي رمضان بأداء سننها في بيته من غير جماعة ويحث على قيامها، وكان الناس يقتدون به في أدائها. واستمر الحال كذلك في عهد الخليفة أبي بكر، إلى أن خلفه عمر بن الخطاب، الذي لاحظ أن المسلمين يؤدون النوافل وهم ما بين قائم وجالس وراكع وساجد وقارئ ومسبح… في مظهر لم يستحسنه، ورأى أن من واجبه أن يجتهد في إصلاح الأمر، ومن ثم سن لهم صلاة التراويح جماعة، ونصب للمصلين إمامين في المدينة أحدهما للرجال والآخر للنساء. فماذا كان سيكون موقفه من هذا الذي يحدث بيننا اليوم من انزياحات  لو عاد إلى الحياة؟

إن ما يؤسف له حقا هو أننا أصبحنا ننشغل عن أهم قضايانا الأساسية بهدر الوقت والجهد في خوض المعارك غير المجدية، من خلال إثارة مواضيع هي من صميم واجب الأئمة والخطباء في توجيه الناس لأمور دينهم، وتربيتهم على احترام الفضاء العام باعتباره ملكا مشتركا بين جميع المواطنين المغاربة والأجانب والمصلين وغير المصلين، ولا ينبغي لأي طرف احتكاره لنفسه دون غيره، لاسيما أن بلادنا لها من دور العبادة ما يستوعب كل المغاربة، فلم كل هذا الإصرار على الصلاة في الشوارع وأمام بعض المحلات؟ هل هو عمل مقصود من أجل استغلال المناسبة في التأثير على غير المصلين؟

فعلى من يقفون خلف هذه الحملة “المجنونة” ضد صحافية مغربية، أن يدركوا أن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يصل إلى هذا المستوى من الضحالة والتدني، من خلال اللجوء إلى التشهير بها عبر نشر صور شخصية عن حياتها الخاصة، الإرهاب الفكري وتهديد سلامتها الجسدية. وأن يعلموا بأن انتقادها سلوك المتدينين لا يعني استفزاز مشاعرهم والمس بالدين، إذ لا هي ولا أحد آخر غيرها بمقدورهما منازعة المصلين حقهم المقدس في أداء شعائرهم الدينية، بيد أن هذا لا يمنحهم حق استثمار المشترك الديني لفائدتهم وحدهم والتطاول على حقوق وحرية الآخرين بقطع الطريق أمامهم ومحاولة تكميم أفواههم…

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail