المؤمنون المغاربة بين الغرور و البعد عن التعايش الحقيقي

*جواد مبروكي

أتساءل لماذا المغاربة يتفاخرون بإيمانياتهم، سواءً كانوا ملحدين أو علمانيين أو سياسيين أو مسلمين أو بهائيين أو مسيحيين أو غير ذلك من القناعات، وفي نفس الآن عاجزون عن تحقيق التعايش الحقيقي سواءً فيما بينهم داخل كل تيار أو على مستوى كل مكونات المجتمع و تمتد نفس المشكلة لجالياتنا في الخارج؟

و أتساءل كذلك لماذا كل تيار ديني أو سياسي أو مذهبي، يعتبر رؤيته هو الحل الوحيد لجميع المشاكل التربوية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والأمنية؟ ولماذا رغم هذا اليقين أرى غياب التعايش داخل كل  تيار أو مجموعة حيث كل عضو يفرض أفكاره الخاصة وحلوله الجاهزة بدعوى أن قراءته هي الصحيحة ورؤيته هي الصائبة لمشاكل المجتمع؟ وأتساءل إذا غاب التعايش الحقيقي داخل التيار نفسه فكيف له أن يتحقق بين جميع تيارات المجتمع المغربي بكل تنوعاته و أطيافه؟

فما هي أسباب غياب التعايش الحقيقي داخل أي تيار وبين كل تيارات المجتمع؟

1- المغربي “كَيْكْدْبْ عْلى راسو”

المغربي لم يتربى على الفكر النقدي و المراجعة الذاتية ولا على الكرامة والاستقلالية الفكرية والعقائدية ولا على الاكتفاء الشخصي وتحري الحقيقة والتواضع والمشاورة في أي موضوع كان، ولهذا تتكون له شخصية غير مستقرة ومضطربة ومتقلبة يُغيرها مثل ألبسته حسب المناسبات و المواقف. وبطبيعة الحال لاجتناب الإحباط وعدم الرضاء، يُؤمن رغما عن نفسه أنه صادقا، وبالتالي يخدع ويكذب على نفسه بمِرآة زائفة. مثلا أرى المغربي يدافع عن قناعاته سواء كانت إيديولوجية أو دينية ويصر أن مضمون تياره هو الحل الفريد القاطع لكل المشاكل. وهنا أراه يكذب على نفسه لأنه في حياته الشخصية والمهنية والزوجية والعائلية يغيب تطبيق مبادئ قناعاته حيث لا نرى سوى ألوان النزاعات والجدال والتفكك والاعتداء والظلم والغش والنميمة والكذب، وأحسن دليل هو ما نراه في الشارع والإدارات والأحزاب السياسية وفي الأوساط العائلية وبين الجيران وداخل كل دين وبين الأديان. فإذا كان المغربي يكذب على نفسه ولم يحقق التعايش داخل أرضية حياته فكيف له أن يحقق التعايش بين كل تنوعات وأطياف مجتمعه؟

2- المغربي مُصاب بالغرور

كل مؤمن بأي تيار فكري أو ديني بدون أي استثناء، يزعم أن الرسالة التي يؤمن بها، هي الوحيدة القادرة على حل مختلف المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والسياسية وفي بعض الأحيان يتوهم أنها العلاج الناجع لعدد كبير من الأمراض العضوية والنفسية. وأعتبر هذا غرورا كبيرا يبعدنا بملايين الأميال عن تحقيق التعايش الحقيقي!

كيف لي أن أتعايش معك وأنت مؤمن قطعيا أن رسالتك و رؤيتك هي الحل العجيب ضاربا عرض الحائط معتقدات و رسالات الآخرين؟ أي غرور وأي احترام هذا؟ ونظرا لتنوع النوع الإنساني وتنوع الأفكار فمن المستحيل اعتبار رسالة معينة سبب تحقيق التعايش والدليل على هذا هو فشل كل التطبيقات و التصورات  لحد الساعة في تحقيق التعايش سواء داخل جامعاتها أو أمَّتها أو بين كل أطراف المجتمع!

وأعتبر غرورا كل من يدعي أن له الحلول لأن الحل يبقى عند جميع التيارات ولن يتحقق إلا إذا جلس كل أطراف المجتمع حول مائدة واحدة وتم التشاور بينهم مع الانفتاح و استقبال رؤية كل تيار باحترام وبدون عجرفة لكي نوحد الرؤى ونحقق التعايش الحقيقي وتكون الحلول جماعية وفيدرالية نابعة من توافق الجميع و معبرة عن نبضهم و وحدتهم و اتحادهم.

3- المغاربة يجهلون مفهوم الاحترام ويستبقون في الحكم

بالنسبة للمغاربة يقتصر الاحترام على العبارات اللطيفة والمجاملات الكلامية وهذا بعيد كل البعد عن المفهوم الحقيقي لمبدأ الاحترام. والسبب أن التربية المغربية السائدة داخل البيوت والمدارس والتيارات الدينية والفكرية والسياسية لا تلقن مبدأ الاحترام الذي يتجلى في التجرد من الأنانية الفظيعة والتواضع الصادق واستقبال كل أفكار وقناعات واختيارات الآخر بصدق وبدون أي حكم مسبق عليه. كما أن التربية المغربية لا تحذر الطفل من خطورة احتكار الحق لنفسه في الحكم على الآخرين ولا تنبه بأن ذلك أمر ضار ومدمر لمبدأ الاحترام و بالتالي نربي أجيالاً على التعصب و التسلط و نُهدم جسور التعايش و قيمه في مجتمعنا.

فلنحقق أولا بكل هدوء وانقطاع التعايش الحقيقي بين الزوجين وداخل العائلة بين الإخوان والأخوات والأصهار وبين الجيران وداخل كل تيار فكري أو ديني. أما التعايش الحقيقي في الوسط الاجتماعي سيأتي عبر النمو العضوي المجتمعي بشكل طبيعي وحقيقي واجداً جذوره في صدق كل فرد من العائلة الإنسانية.

* خبير في التحليل النفسي للمجتمع المغربي والعربي

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail