أية مقاربة لضبط ساعة عصيان القاصرين؟

*عبد المجيد الحمداوي

في الوقت الذي خرج فيه عدد من المواطنين الغاضبين في إضراب عام للاحتجاج على الوضع الاجتماعي والاقتصادي المزري الذي وصل إليه المغرب، عمت الفوضى في الشوارع، وحل الاضطراب محل الهدوء والتسيب محل الأمن، فلم يجد الراحل الحسن الثاني، أمام هذا الهيجان وهذا الشغب، إلا أن يجمع قادة الأحزاب السياسية و يخاطبهم، بأنه على أن المغرب ألا يؤدي ثمن أعمال ثلاثة أو أربعة حمقى جروا الناس إلى ذلك.

كان ذلك في 14 دجنبر 1990، والعديد من المسؤولين الذين لا زالوا على رأس الأحزاب والنقابات يتذكرون الواقعة جملة وتفصيلا ومدى آثارها على النفوس. و اليوم، ها نحن في يومي الاثنين والثلاثاء “الأسودين”،  و12 و 13 نونبر 2018، انسلت آلاف التلميذات والتلاميذ إلى شوارع مختلف المدن المغربية، مستغلة الغشاوة السوداء التي غطت أعين المسؤولين، للتعبير وبشكل تلقائيعن رفضهم للساعة الملعونة التي أقرتها الحكومة، دون الأخذ بعين الاعتبار مدى تأثيرها على الحياة العامة للمواطن، وفي غياب نهج مقاربة تشاركية،تمكنها من اتخاذ اجراءات استباقية لحصر أي مد سلبي ضدها، قد يعصف بكل المجهودات التي تبذل في سبيل وطن ينعمبالاستقرار الأمني والاجتماعي والاقتصادي.

في غياب تدابير إجرائية وقائيةوحمائية وفي غياب تأطير حقوقي أو سياسي للتجمعات والمسيرات، نزل الاحتجاج من طرف قاصرين بردا وسلاما على المغاربة، حجوا بعفوية إلى شوارع المدن،من هنا وهناك رفعت شعارات تفوح منها رائحة السخط والغضب، ووقعت انزلاقات طفيفة. موجة من المسيرات تسللت إلى بعضها ذوي النيات السيئة وحاولت استغلالها لتمرير الحقد والكراهية ضد الوطن ومقدساته، باستعمال كل الوسائل الحقيرة للرفع من سيولة الاحتقان الاجتماعي، حتى تعم الفوضى، و تكسر السيارات وواجهات المحلات التجارية و يعرقل السير، وتتدخل القوات العمومية باستعمال العنف ضد المحتجين، لإعادة مشهد فوضوي كما وقع في بداية التسعينات، يستعصي ضبطه ولا يمكن حصره إلا بالقوة والقمع. لكن ولله الحمد، فشل مخططو هذا السيناريو الجبان، وذلك بفضل عقلنة وحكامة ورزانة الجميع.

أمام هذا الوضع الملتبس، لم يفلح المخربون سواء أصحاب”الانتماءات” أو أعداء الوطن، من تحقيق أجندتهم الخسيسة. كمالم يستحضرأصحاب الساعة الملعونة، انفجار موجة الغضب في رقم زمني قياسي، ردا بالمثل على السرعة الفائقة التي تمت فيها المصادقة على القرار. هذا ما يجعلنا وبدون مركب نقص، الاعتراف بأننا فشلنا في تدبير قضايا اجتماعية، تبدو ظاهريا جد يسيرة، لكنها تحمل في باطنها، بركان قد ينفجر بدون سابق إعلان.

ومن أجل أن نسمي الأشياء بمسمياتها، لا نخفي أنه بالرغم من تحركات الحكومة في شخصي رئيس الحكومة ووزير التعليم، إما عن طريق إصدار البلاغات أو التصريحات أو الاجابة في قبة البرلمان، لا زالت إشكالية التواصل مع المواطنين تطرح بعمق وبجدية أكثر من علامة استفهام.

في هذا السياق، وكما هو معلوم، اختلط لدى البعضالتمييز ما بين التواصلمع الفئة المستهدفة، المبني على أسس علمية ووسائل تكنولوجية حديثة تمكن من تحقيق أو بلوغ الهدف، والاتصال العمودي الذي يعتمد على الوسائل التقليدية المحدودية النجاعة والفاعلية. وعلى هذا الأساس، فالحدث الذي عاشه المغاربة بحرقة، يتساءلالجميع عن دور جمعيات الأمهات والآباء، فعوض الانشغال على وضع برامجلتأطير فلذات أكبادنا داخل المؤسسات التعليمية، تجد معظم هذه الجمعيات، قد تخلت عن دورها التربوي والتنشيطي وسلكت طريق المقاولة” البناء والاصلاحات وتنظيم الحفلات..”، كما يتساءل عن دور النقابات التي لها وجود جلي وقوي بقطاع التعليم بمختلف فئاته، فقد لاحظنا جميعا، أن مديري المؤسسات التعلمية والمفتشين ونساء ورجال التعليم، لم يكلفوا أنفسهم عناء لاستباق الحدث الذي وقع، حرصا على أمن وسلامة المؤسسة وحفاظا على استمرارية الموسم الدراسي في جو يسوده الانضباط.

كما أن الأسلوب التواصلي الذي نهجته الحكومة لم يكن كافيا، مما جعلها متورطة بسبب مقاربتها في إضفاء الشرعية على الساعة الملعونة، مقاربة هشة، أغفلت قواعد وشروط كيفية تمرير القرارات الحكيمة والرزينة، مماأدى إلى اتخاذ قرار طغى عليه التسرع والارتجال وعدم الاكتراث بما قد يقع في المستقبل القريب، والدليل على ذلك، أنها في آخر المطاف تفاجأت الحكومة ومن يحوم في فلكها،بدخول قاصرين تحت يافطة دستورية الاحتجاج ودولة الحق والقانون،إلى حلبة المعركة في غياب حوار ثنائي الأطراف، ونفذوا الاحتجاج بطريقة خاصة لتحقيق مطالبهم معتمدة في قنواتها التواصلية على ” الفايسبوك”.

وخلاصة القول، مهما اختلفت الآراء والتوجهات حوال إلغاء أو إبقاء الساعة الملعونة، فالدولة لها كل الوسائل والامكانيات لتجنب مثل هذه الحالات التي نحن في غنى عنها، فلا مقارنة بينها وبين المتطلبات و الحاجيات الضرورية للحياة العامة، كالنقل والسكن والشغل والصحة.

لذا، فإن قيمنا الدينية السمحاء وحضارتنا التاريخية العريقة وموقعنا الجغرافي المتميز، لا تسمح لنا أن نخطأ مع بناتنا وأبناءنا، بفتح فجوة ولو كانت ضيقة، لإقحامهم في قضايا من اختصاص الراشدين من مختصين وخبراء وسياسيين وفاعلين مجتمعيين. وقبل هذا وذاك، فالمنطق الصائب هو التحلي بالشجاعة للاعتراف بالأخطاء التي ارتكبناها سواء عن قصد أو غير قصد ونسارع الزمن لإيجاد الحلول الملاءمة و القادرة على خلق مناخ يضمن لبناة المستقبل و حاملي مشعله، ساعة سعيدة، ولو تطلب منا ذلك تطبيق الحكمة التي تقول: ” كم من أشياء قضيناها بتركها”.

*محلل صحافي

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail
sans titre 1 CasualStat