الممارسات الفعالة للحفاظ على التنمية في المغرب

بقلم/ كرستين أوبفر

المناطق الطبيعية آخذة في الإنحسار في جميع أنحاء العالم ومن المتوقع أن تتلاشى حوالي 30 في المائة من الغابات الطبيعية في العالم بحلول نهاية هذا القرن. علاوة على ذلك، فإن 25 في المائة من جميع الأراضي على الكرة الأرضية مهددة حالياً بالتصحّر مما يؤدي إلى تآكل شديد في التربة وانخفاض في الإنتاجية والأمن الغذائي والتنوع البيولوجي. والمغرب ليس مستثنى من ذلك. لقد تم تدمير أكثر من 90 في المائة من الغطاء الغابي التاريخي في المغرب بسبب التأثير المزدوج للإستغلال المفرط والرعي المفرط وتفاقم المناخ. ويشكل المدى المأساوي للتدهور البيئي في المغرب تهديداً كبيراً لنباتات وحيوانات البلد. ووفقا للقائمة الحمراء للاتحاد العالمي للحفاظ على الطبيعة (IUCN) فيما يتعلّق بالأصناف النباتية والحيوانية المهددة بالإنقراض، هناك أكثر من 223 نوع من النباتات والحيوانات في المغرب معرضة للخطر. وبالإضافة إلى ذلك، فإن التآكل الشديد للتربة وضرر المياه الجارية والفيضانات واستنفاذ التربة هي من الشواغل الحيوية المقلقة لرفاه الإنسان، لا سيما في مجتمعات جبال الأطلس التي تعتمد على الموارد الطبيعية وهي مهمشة بمعظمها وتعاني من الفقر المنهجي.

وفي ظل هذه الظروف المجهدة للغاية، لا يزال الحفاظ على البيئة قضية إنمائية بطبيعتها، وأصبح تخفيفها المشترك هدفاً سياسياً مهماً. ونتيجة لذلك تم إنشاء مجموعة واسعة من المشاريع التي توفر للمجتمعات المحلية السيطرة على مواردها الطبيعية وتعزيز المنافع الإجتماعية والإقتصادية. ومع ذلك، فإن معالجة القضايا البيئية والمجتمعية في الحال يمكن أن يكون تحديا والعديد من المشاريع فشلت في تحقيق أهدافها المتعلقة بالحفاظ والتنمية. ومن ثم فإن تحديد مجموعة من الممارسات الفعالة وتقاسم الدروس المستفادة أمر حاسم للنجاح في الحفاظ على المناطق الطبيعية وتخفيف حدة الفقر.

ولتمكين فهم الممارسات الفعالة، تم تقييم برنامج زراعي مغربي لصالح الفئة الهشة باستخدام منهجية جديدة سمحت بتحليل العلاقة بين إدارة الصيانة والتدخلات المجتمعية وتأثيرها على كل من نتائج التنمية وتحسينات التنوع البيولوجي. تم تنفيذ تقييم هذا البرنامج من قبل مؤسسة الأطلس الكبير (HAF) ، وهي منظمة غير ربحية مغربية – أمريكية ، قامت به هذه المؤلفة ، و هي باحثة أولية مستقلة، خلال الفترة من أبريل إلى سبتمبر 2018. وشملت الدراسة مراجعة مكتبية لوثائق ذات صلة و 34 مقابلة، وست مجموعات تركيز مع سبعة موظفين و 26 مستفيد. ثم تم تحليل البيانات وتنظيمها في كتيب التقييم. تم استخدام هذا الكتيب من قبل مجموعة من المحترفين المستقلين الذين سجلوا أداء البرنامج وحددوا الممارسات الناجحة بالإضافة إلى الثغرات، وقدموا توصيات لمزيد من التحسينات.

وكشف التقييم أن مؤسسة الأطلس الكبير (HAF) في المغرب تعرض ممارسات مثالية وعالية الفعالية، وبالتالي يمكن أن تعمل كمشروع نموذجي ينبغي الإشادة به دوليًا. فمنذ عام 2003، قامت مؤسسة HAF بزراعة 3.6 مليون بذرة وشجرة مع زيادة ملحوظة في عام 2018، وذلك من خلال إنشاء أربع مشاتل جديدة بالشراكة مع المندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة  التصحر بالمغرب و بشراكة مع (Ecosia)، وهي شركة ذات نشاطات اجتماعية مقرها في برلين بألمانيا. ومن خلال توزيع أشجار المثمرة تسهل المؤسسة الانتقال من زراعة الكفاف للشعير والذرة إلى زراعة أشجار المثمرة العضوية الفائضة. ويساعد هذا في الحفاظ على البيئة الطبيعية من خلال الحد من تآكل التربة والفيضانات وزيادة جودة التربة وتجديد النباتات، وهو أمر له أهميته الكبيرة بالنسبة للقرى التي تواجه مستويات صعبة وفي بعض الأحيان خطيرة من التعرية الجبلية والتصحر والتي تفاقمت بسبب زراعة المحاصيل الأساسية ورعي الماشية. وعلّق أحد المزارعين على ذلك بقوله: “في الماضي، عندما كنا نزرع الشعير والذرة كانت التربة تفقد جودتها بسرعة عالية والتآكل يسلبنا أرضنا. والآن تمنع الأشجار هذا من الحدوث. لدينا أيضًا المزيد من النحل لأن النحل يحب الزهور. ”

علاوة على ذلك، تمكنت المؤسسة من التأثير على ما يقرب من 10.000 أسرة عن طريق زيادة مهاراتها الزراعية ودخلها. في وادي تفنوت بإقليم تارودانت، على سبيل المثال، قامت المؤسسة بتوزيع ما بين 10 و 100 شجرة كرز لكل مزارع. وهم يجنون الآن ما بين 21 إلى 105 دولارات من كل شجرة كرز.  وهذا يتوقف على توفر المياه وقسوة الشتاء ومعدلات إنتاج السنوات السابقة وعوامل أخرى. وفي المتوسط ​​، هذا يعادل عشرة أضعاف ما تمكن المزارعون من كسبه من الشعير والذرة. قال أحد المزارعين:
“قبل أن نزرع الأشجار، كان علينا أن نعمل بجد لزراعة الذرة والشعير. إذا أحصيت كل شيء معًا وقمت ببيع كل الشعير والذرة دون حفظ أي شيء لنفسي، فقد ربحت 53 دولارًا سنويًا فقط. وبعد سنوات قليلة من قيام المؤسسة بإعطائي أشجاراً، تمكنت من بيع الثمار مقابل 528 دولاراً إلى 1055 دولاراً حسب كمية الثمار التي أنتجتها الأشجار. ومع الدخل الناتج قمت بتحسين حياة عائلتي “.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن زيادة الدخل مكنت المجتمعات المحلية من إعادة استثمار أرباحها في مشاريع محلية مشتركة أخرى مثل البنية التحتية للمدارس أو الرعاية الصحية أو مشاريع الشباب.
المفتاح لهذا النجاح هو الإستراتيجية الشاملة لمؤسسة الأطلس الكبير للمشاركة المجتمعية الجادة. فمن خلال استخدام النهج التشاركي تشرك المؤسسة المجتمعات المحلية في كل خطوة من خطوات البرنامج وتكلفها بسلطة اتخاذ القرارات وتزيد من قدرتها على أن تكون عوامل التغيير. هذا يضمن إشراك المجتمع في وقت مبكر ويمنع البرامج من أن تحركها المصالح الخارجية ويضمن أن البرنامج مصمم بفهم شامل للسياق المحلي. علاوة على ذلك، ومن خلال ورش عمل تمكين المرأة وبناء المهارات وفصول محو الأمية وغيرها من المبادرات المجتمعية المحددة مثل تحسين البنية التحتية للمدارس وإثراء التعليم، تعالج مؤسسة الأطلس الكبير(HAF) الفقر من جميع الزوايا. وبالتالي تعترف HAF بأن الفقر لا يمكن أن يترسّخ فقط من خلال نقص الدخل والغذاء ولكن أيضًا من خلال عدم الوصول إلى التعليم والمساواة والتمكين والفرص. قالت امرأة:
“لقد غيرت هذه الشجرة ومشتل النباتات حياتنا. قبل إنشاء المشتل كنا فقط في المنزل. والآن بمساعدة المؤسسة يمكننا العمل في المشتل وتعلم مهارات جديدة وكسب نقودنا بأنفسنا ونساعد في إعالة أسرنا. هذا يجعل حياتنا أسهل بكثير وبدأ الرجال يحترموننا. نحن فخورات جدًا بما نفعله حتى عندما نواجه مشاكل. لقد تعلمنا كيف نواجه المشكلات معًا والبحث عن حلول ومواصلة العمل. ”

التدهور المستمر للمناطق الطبيعية واعتماد فقراء الريف بشكل ٍ كبيرعلى الموارد الطبيعية يوضح الحاجة إلى تغيير جوهري في التفكير المتعلق بالحفاظ على البيئة. وتثبت مؤسسة الأطلس الكبير أن المشاركة المجتمعية الفعالة من خلال الأساليب التشاركية أمر ضروري للنجاح المستدام على المدى الطويل. واستنتج مزارع فوائد ذلك بقوله: “لدي توقعات كبيرة للمستقبل. إن الأشجار التي زرعناها ستكون مفيدة للبيئة وتمنع تآكل التربة وسوف يفيد المشروع المجتمعات والجمعيات في هذه المنطقة”. ولذا، ينبغي ألا تكون مشاركة المجتمع فكرة عابرة أو بلاغية، بل يجب دمجها بشكل أساسي في كل عملية صيانة وتطوير أي مشروع. فمن خلال مشاركة الدروس المستفادة والممارسات الفعالة توفر مؤسسة الأطلس الكبير إمكانات ممتازة لإطلاع المجتمع العالمي للحماية والتنمية على كيفية تطوير برامج مؤثرة ومفيدة.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail