أي نموذج التنموي في مغرب موحد؟

*عبد المجيد الحمداوي

أعتقد أننا اكتفينا بما نتوفر عليه اليوم،  من دراسات وتقارير تشخص أعطاب واختلالات النموذج التنموي المغربي، و ما نحن بحاجة ماسة إليه في هذه الظرفية بالذات، وضع حلول واقعية بديلة، تستجيب الى متطلبات وحاجيات الساكنة المغربية في المدن والقرى وتأخذ بعين الاعتبار التفاوتات المجالية  والنمو الديمغرافي المتزايد لتقليص الفوارق الاجتماعية. كما أنه من المحمود، أن نعتبر الرهان على المكتسبات التي تحققت في المجالي الاقتصادي والاجتماعي، شيء ايجابي لإعادة استغلالها في انتاج تصور جديد للتنمية، قادر على إيجاد الحلول الممكنة  للمشاكل الحقيقية التي يعيشها المجتمع،

فمنذ إعلان جلالة الملك في خطابه السامي التاريخي عن ضرورة إعادة صياغة أهداف واستراتيجية النموذج التنموي ببلادنا، ازداد اهتمام الخبراء والفاعلين السياسيين  لمناقشة ومعالجة هذا الموضوع الأساسي ، وتنامىوعي جميع أطراف المجتمع المغربي بالاستعجال لتنزيل مضمون الخطاب الملكي على أرض الواقع.

ولم يخلف حزب الحركة الشعبية موعد الانخراط في التوجهات السامية، للمشاركة في بلورة مفهوم جديد للتنمية يتقاطع مع المبادئ العامة للحزب و برنامجه السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي تم تحيينه بأفكار جديدة وبروح خلاقة ومبدعة، خلال المؤتمر الوطني الثالث عشر الأخير. وتكونت قناعة راسخة  لدى الحركيات والحركيين، أن المغرب الذي قطع أشواطا مهمة في التنمية، ونظرا للمتغيرات العالمية وتطورات الأحداث الكونية، والتراكمات الهائلة من مساطر وقوانين ومبادئ، لا يمكنه أن يبقى بعيدا عن هذه التحولات الكبرى، والتي أضحت تستدعي توحيد الجهود للنهوض بالقطاعات الحيوية وفي مقدمتها التعليم والتكوين المهني والصحة والشغل، وبعبارة أخرى، أصبح ملحا وضع تصور سياسي واقتصادي واجتماعي يروم تحقيق التقدم المجتمعي، لملاحقة، ضمن الدول الصاعدة،  الركب الحضاري والثقافي المتقدم الذي ينعم به عدد من دول العالم.

فإلى جانب الحكامة الجيدة و الاهتمام بالعنصر البشري الذي يعتبر قطب رحى التنمية الشاملة، هناك استعجالية الاهتمام بتقنين المنافسة وتبسيط المساطر الادارية و رفع الحواجز على المقاولات الصغرى ومواصلة برنامج محاربة الفساد والريع السياسي والاقتصادي، دون إغفال احترام المساواة على أساس النوع سواء على مستوى التمدرس أو مناصب الشغل.

الكل يجمع، أن الرأسمال البشري عامل لا محيد عنه، لتحيق النموذج التنموي، ومسؤولية فشل أو نجاح هذا العنصر الأساسي في مختلف المقاربات والتوازنات، في مرمى الادارة والمقاولة وأيضا الأحزاب، فبدون تكوين لتأهيل القدرات المهنية و بدون تأطير سياسي لمواكبة الكفاءات، تتعطل المردودية و تتصدع الهويات وينتشر الفكر الظلامي والقناعات السوداوية التي تجرنا جميعا إلى المحن.

هناك أرقام واحصاءات تأتي من هنا وهناك، تنذر بحلول أزمة حقيقية في عدد من القطاعات، كقطاع المحروقات الذي له علاقة بكارتيلات الذهب الأسود في العالم،  والذي تم تحريره دون معرفة أو دون التأكد من النتائج المتوقعة، كما أنها  تشير أي الأرقام، الى احتقان اجتماعي  في بعض المناطق المعزولة بسبب ندرة الذهب الأزرق، وما قد ينجم عن الماء من مشاكل اجتماعية وأضرار لا تقل أهمية عن الزيادات المهولة في أسعار المواد الأساسية الذي تقتنيها عامة الفئات الفقيرة ، أرقام تتعلق بالمديونية الخارجية والميزان التجاري و صندوق التقاعد و تمويل المشاريع الكبرى، تؤكد بالواضح أن هناك اضطرابات مالية و نقدية.

حتى لا نسقط في التأويل و التشاؤم، أرى أنه من اللازم الابتعاد عن الأنانية والخطوة المهمة التي يجب اعتمادها في البداية،  هي المراهنة على الخبراء والسياسيين والمجتمع المدني على حد السواء، للخروج من مرحلة التشخيص الى مرحلة التنزيل والتفعيل، فبغض النظر عن اختلاف الايديولوجيات و المذاهب الفكرية، فالمغرب الموحد في حاجة إلى تفكير جماعي في إطار مقاربة تشاركية عقلانية، لإعادة أولا،ثقة المواطن في المؤسسات والاحزاب، وثانيا التفكير بصوت عال في كيفية ترسيخ العدالة المجالية و تحقيق التكامل والتضامن الجهويين، حتى لا تبقى منطقة معزولة عن أخرى، تكامل اقتصادي واجتماعي يضمن للجميع نفس الحقوق والاستفادة من نفس الثروات و المؤهلات التي تزخر بها بلادنا من طنجة إلى الكويرة.

*باحث صحفي

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail
sans titre 1 CasualStat