خرافة “الأنا”

جري سالم الجري
يعج عالم الفكر بالتخبطات التي أُتخذت كأساس أكاديمي. فتجد مباحث علمية، أو حتى مدارس يكون أساسها خرافة، أو معتقد زائف غير مثبوت. وليس العلم الحديث عن ذلك ببعيد. ولن يسع المقال ذكر الأمثلة المؤكدة لذلك، فهو واضح لكل مطلع إطلاعاً موضوعياً. مما يشاع بهذه الفترة لدى النخب الثقافية في الوطن العربي مفهوم غريب مسمى بالأنا. فما هو عقائديا و علميا؟ ولماذا أرى من وجهة نظري بأنه مظلوم ومقهور لدينا.

(الأنا)، هو مصطلح يعني رؤية الإنسان لذاته. فهو قد أعطى ألف لام التعريف لهوية الإنسان التعريفية (أنا) و المعروف لا يُعرف. لذلك فهو من الناحية اللغوية بِدعْ و مَسخ. و أما من الناحية الفقهية فهو بِدعة و رَفض. ولكن من الناحية النفسية هو دخيل شرقي حاول حقنه سجموند فرويد بعدما أخذها من الشرق الأقصى. ولكن لم يتفرع هذا المفهوم بعلم النفس العلاجي، بمعنى انه مجرد نظرية مستوردة من الشرق الهندي البوذي، الذي انتشر في أغلب آسيا الشرقية. وهي تشمل ضرورة نكران الإنسان لوعيه بنفسه. فشرعا المصطلحات المعنية بالذات هي ( الغرور و الكبر و التواضع والذل.) فالغرور نسب الشخص صفة ليس فيه؛ والتكبر تضخيم الذات كقول فرعون ( أنا ربكم الأعلى). أما التواضع هو أخذ المرء وضعه الإجتماعي بلا إذلال و لا نقص. وأما الذل فهو بخس النفس حقها. ولكن أين الإشكال في إستعمال لفظ (الأنا) إذا ؟.

على حسب نظرية تعدد الأصوات للأديب د. باختين من جامعة آيوها في أمريكا؛ فأنه لا يوجد مصطلح ولا توجد أي كلمة في الوجود إلا وتكون محقونة بجراثيم الحضارة التي إنتجتها. فما الحضارة التي إنتجت فكرة الأنا؟.

من الحُمق إعتبار نظرة الإنسان لنفسه إنتاج حضاري، في أصل هذا المعنى البوذي؛ الذات ليست إلا بحقيقتها جزء من الإله الأعظم؛ وما نحن إلا آلهه مجزئين من الإله الواحد. هي..هي..وحدوية الوجود التي يعتبرونها الهدف الأسمى الذي لأجله ينغبي نحر شرف أشخاصنا للذوبان فيه. هل هذا سيكلوجياً صحي؟.

بعلم النفس كما ذكر د.جولمن كل إنسان لديه وجاهه إجتماعية تعتبر جزء من سيكولوجيته و بيولوجيته. فالألم النفسي هو عضوي، لأننا مبرمجين عضويا على التشابك الإجتماعي؛ فقَتل الذات، التي تعتبر عضو من المجتمع له حقوقه، سيرفع عندنا هرمون القلق، ويخفض كل هرمونات السعادة والطمأنينة المرهونة بإحترام وتقدير الناس لنا؛ كأعضاء معظمين و محترمين. و صلى الله وسلم على النبي المتواضع الذي لم يذل نفسه بل زأر قائلا ( أنا النبي لا كذب! أنا إبن عبدالمطلب!). فكفى ظلما لمفهوم الأنا المستورد ولنعطيه حقه بتأليه الذات. فهذا المفهوم بحقيقته يعلم أتباعه أن أكسروا الإطار الذهني الذي ترى فيه ذاتك الإنسانية او الإجتماعية لأنك إله بالوجود. فلماذا نرحب بهذا المفهوم الشركي أو نجامل أدبياته لندعي توائمه مع ديننا؟ ففي ديننا تشريف للإنسان و تقوية العمق الإجتماعي لأفراد، وليس الإنطواء والإنزواء و جحد المدح والثناء! بل العكس تماما مذكور بالقرآن الكريم:( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ).

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail
sans titre 1 CasualStat