تأثير الإشعاعات فوق البنفسجية على الجسم‎

*عبد الحميد المكاوي

بحلول فصل الصيف ترتفع درجات الحرارة لتغري بعض الأشخاص للاستمتاع بالسباحة واكتساب اللون البرونزي المحبب لدى العديد، وتمتلأ الشواطئ والمسابح من أجل ذلك، ويسعى البعض الآخر للحصول على الفيتامين “D” دون الإكتراث للعواقب التي قد تسببها أشعة الشمس على الجسم سواء كانت مرحلية كاحمرار البشرة وتقشر الجلد ومرض الكلف أو دائمة وخطيرة والتي تحتاج لسنوات حتى تظهر كإعتام عدسة العين، والشيخوخة المبكرة، وظهور التجاعيد والإصابة بسرطان الجلد نتيجة التعرّض المباشر لأشعة الشمس لوقت طويل، دون الاحتياط بعوامل الوقاية اللازمة.

مكونات أشعة الشمس:

إن أشعة الشمس عبارة عن مجموعة من الموجات الكهرومغناطيسية والتي تنقسم إلى ثلاثة أنواع وهي المرئية “spectre visible” والتي تتميز بأنها تتكون من أشعة لونية من الأحمر (طول موجتها 700 نانومتر) إلى البنفسجي (طول موجتها 400 نانومتر) وهي ألوان قوس قزح. والأشعة تحت الحمراء “infrarouge” (طول موجتها بين 700 و 3000 نانومتر) والأشعة فوق البنفسجية “UV: ultraviolet” (ذو طول موجات أقل من 400 نانومتر) (قد تجدون أرقاما تقارب هذه الأرقام في بعض المراجع)، هذه الأخيرة تنقسم بدورها إلى ثلاثة أنواع وهي UVA الذي باستطاعته الاختراق العميق لجلد الانسان وتدبغه وتغير لون البشرة وUVB الذي يؤدي إلى إصابة الجلد بالحروق، كما أثبت علميا أنه مسبب للسرطان وUVC الذي يمتص بوساطة الغلاف الجوي في طبقة الأوزون ولا يصل إلينا.

ولا بد للإشارة إلى أن الشمس ليست المصدر الوحيد للأشعة فوق البنفسجية بل قد تصدر من بعض المصانع وخصوصا تلك التي تعمل أساسا لإنتاج المنتجات العلاجية الطبية.

اكتشاف الأشعة فوق البنفسجية:

تم اكتشاف الأشعة فوق البنفسجية عام 1801 من طرف العالم الفيزيائي الألماني جون فيلهلم رايتر ” Johann Wilhelm Ritter” الذي قام بإجراء تجربة عملية لتحليل ضوء الشمس إلى ألوانه الأساسية حيث كان يقوم أثناء إجرائه للتجربة بتعريض كل لون على عينة من ورق الفضة المشبع بالكلوريد بدءاً باللون الأحمر حتى اللون البنفسجي الذي أحدث تغيراً فى لون الكلوريد إلى اللون الداكن، أما اللون الذي تلا البنفسجي فاحترقت عنده عينة الكلوريد كلية لذا سُمي الضوء الذي يلي الأشعة البنفسجية بالأشعة فوق البنفسجية.

فوائد الأشعة فوق البنفسجية

يأتي إمداد الجسم بفيتامين “D” على رأس الفوائد المهمة للأشعة فوق البنفسجية من خلال تفاعلها مع الجلد، فحسب العديد من الدراسات يسبب نقصان هذا الفيتامين من وفاة مئات الآلاف كل عام من السكان عبر العالم، ويسبب كذلك في ضعف بنية العظام مما يؤدي إلى كسرها بسهولة، وهناك بلدان عدة تعمل على تشبييع أغديتها بفيتامين دي لسد النقص الحاصل لأفرادها من هذه المادة المهمة، إلى جانب هذا تعمل هذه الأشعة للقضاء على بعض الأمراض الجلدية مثل الصدفية والبهاق ولتعقيم بعض الأدوات الجراحية وذلك من خلال مصابيح خاصة.

أما في المجال الصناعي فإنها تستخدم في صناعة الدوائر الإلكترونية الرقيقة و دراسة درجة صمود المواد قبل استخدامها فى الصناعات المختلفة. ويستعين علماء الفلك بهذه الأشعة لتحديد المسافات بين المجرات والنجوم وفي دراسة مستويات الطاقة للذرات المختلفة. وتستعملها بعض الحشرات والطيور كمصدر للرؤية. فيها تعتبر مصدرا لتنشيط العمليات الكيميائية لذى بعض النباتات.

مخاطر التعرض للأشعة فوق البنفسجية

إن التأثير الأولي للأشعة فوق البنفسجية على الانسان يتجلى في ظهور احمرار ثم انتفاخ الجلد، ويتفاوت مدى التأثير من شخص الى آخر حسب لون البشرة. وفي بعض الفصائل من البشر (ذووا البشرة البيضاء، والشعور الشقراء والحمراء) فإنه يؤدي الى تحول الجلد الى اللون الداكن وذلك بسبب زيادة نسبة الصبغة التي تسمى الميلانين التي ينتجها هؤلاء الناس، وهذا لا يعني على الاطلاق أن الشخص في حالة صحية جيدة، بل العكس تماما حيث أنه مؤشر على أن الجلد تعرض لسوء، وبالتالي يحاول حماية نفسه من مزيد من الاشعاع. لذلك فإن اللون الداكن لدى بعض الشعوب خاصة الإفريقية منها يعطي الحماية للجسم من المزيد من الأشعة فوق البنفسجية

إن الزيادة المبالغ فيها عن الجرعات التي يحتاجها الجسم من الأشعة فوق البنفسجية قد يؤدي إلى العديد من التبعات كما جاء في أول بحث منهجي تناول العبء الصحي العالمي الناجم عن الأشعة فوق البنفسجية والذي يعود إلى سنة 2006 تحت عنوان “عبء المرض العالمي الناجم عن أشعة الشمس فوق البنفسجية”. فهو يحدد 9 أمراض تنجم عن التعرض المفرط لتلك الأشعة. والآثار الثلاثة الرئيسية الوخيمة هي الأورام الميلانينية الخبيثة و نوعان من أنواع السرطان الجلدي غير الميلانيني الذي يصيب طبقات خلوية مختلفة من الجلد (سرطان الخلايا الحرشفية وسرطان الخلايا القاعدية). وبالإضافة إلى ذلك تتسبّب الأشعة فوق البنفسجية في الإصابة بحروق شمسية، وتجعد البشرة الناجم عن ضوء الشمس، وأنواع الكاتاراكت القشرية (حالات عتامة عدسة العين)، والظفرة (بروز لحمي على مساحة العين)، وفي إعادة تنشيط هربس الشفة (طفح الشفة المؤلم) و حالات نادرة من سرطان الخلايا الحرشفية الذي يصيب العين.

وتشير التقديرات الواردة في ذات التقرير، إلى أن التعرض المفرط للأشعة فوق البنفسجية يتسبب في حدوث نحو 000 60 حالة وفاة في السنة في شتى أرجاء العالم. كما تشير التقديرات إلى أن 000 48 من تلك الوفيات ناجمة عن أورام ميلانينية خبيثة، أما باقي الوفيات (000 12) فهي ناجمة عن حالات سرطانية جلدية أخرى.

إلى ذلك، تكشف العديد من الدراسات أن الأشعة فوق البنفسجية تعمل على تدمير الحياة النباتية التي تحافظ على طبقة الأوزون، وتضعف كفاءة جهاز المناعة بجسم الإنسان، حيث تقل قدرة الجسم على مقاومة بعض الأمراض مثل الملاريا والسل، وتنشط الفيروس المسبب لمرض الأيدز.

توصيات وقائية

للاحتماء من الأثار المدمرة للأشعة ما فوق البنفسجية توصى منظمة الصحة العالمية بإتباع التعليمات والخطوات البسيطة التالية:

– الحد من فترة التعرّض لأشعة الشمس في منتصف النهار. تبلغ قوة أشعة الشمس فوق البنفسجية ذروتها بين الساعة العاشرة صباحاً والساعة الثانية بعد الظهر، وبالتالي يتعيّن الحد من التعرّض لأشعة الشمس خلال تلك الفترة.

– الاطلاع على مؤشّر الأشعة فوق البنفسجية. الاطلاع على هذا المؤشّر الهام من الأمور الأساسية للقيام بأنشطة في الهواء الطلق بشكل يحول دون التعرّض المفرط لأشعة الشمس. ولا بد من الاحتماء من أشعة الشمس عندما يتوقّع هذا المؤشّر مستويات إشعاع متوسطة أو مرتفعة مثال على ذلك عندما يشير المؤشر الى 3 أو أكثر.

– التظلّل بكثرة. لا بد من البحث عن الظلّ عندما تكون الأشعة فوق البنفسجية في ذروتها؛ غير أنّه يجب عدم إغفال أنّ وسائل التظلّل من قبيل الأشجار أو المظلاّت أو السُرادقات لا توفّر حماية تامة من أشعة الشمس.

– ارتداء ملابس وقائية. توفّر القبّعات الواسعة الحافة حماية جيدة من أشعة الشمس للعينين والأذنين والوجه وظهر العنق. وتسهم النظّارات التي توفّر حماية من الأشعة فوق البنفسجية “ألف” و”باء” بنسبة 99% إلى 100% في الحد بشكل كبير من الأضرار التي تصيب العين جرّاء التعرّض لأشعة الشمس. كما توفّر الملابس الفضفاضة المنسوجة بشكل جيد، التي تغطي أكبر مساحة ممكنة من الجسم، حماية إضافية من أشعة الشمس.

– استخدام مادة حاجبة لأشعة الشمس. ينبغي الإكثار من استخدام حاجب واسع الطيف ضدّ الأشعة فوق البنفسجية يبلغ مؤشر الحماية التي يضمنها 15 فما فوق، وينبغي تكرار استخدامه في كل ساعتين أو بعد العمل أو السباحة أو اللعب أو ممارسة أنشطة في الهواء الطلق.

– تلافي أجهزة اسمرار البشرة والمصابيح الشمسية. تزيد أجهزة اسمرار البشرة والمصابيح الشمسية من مخاطر الإصابة بسرطان الجلد وبإمكانها إلحاق أضرار بالأعين غير المحمية. وعليه لا بد من تجنّبها كلياً.

– حماية الأطفال من أشعة الشمس. يُعد الأطفال، عموماً، أكثر عرضة من البالغين للأخطار البيئية. لذا ينبغي حمايتهم من أشعة الشمس فوق البنفسجية أثناء قيامهم بأنشطة في الهواء الطلق، كما يجب الحرص، دوماً، على إبقاء الرضّع تحت الظلّ.

*دكتوراه في الفيزياء النووية من جامعة محمد الخامس بالرباط

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail
sans titre 1 CasualStat