فكر زعزعة العقيدة يجعل من كل الرسل مرتدين و مزعزعين للعقائد

كلما أفكر في مسألة زعزعة العقيدة، أتساءل لماذا المغربي يختلف حكمه حسب الزاوية التي ينظر منها إلى هذه المسألة؛ فيحكم على هذا بجواز ممارسة حق حرية المعتقد، وعلى ذاك بالردة، ويتهم الآخر بالزعزعة؟ هل المغربي يدرك أنه يستعمل منطقين متناقضين للحكم على الموقف نفسه؟

لِنتخيّل أننا عدنا إلى زمن تفرد الديانة اليهودية بالسيادة، وأتى حضرة المسيح وشرع في نشر تعاليمه. فكيف نسمي هذا، نشر الرسالة الإلهية أم زعزعة عقيدة اليهود؟ بالنسبة إلى اليهود في ذلك العصر، سيعتبرون الأمر زعزعة للعقيدة. أما بالنسبة إلى المسيحيين أصحاب الرسالة الجديدة، فإنهم سيعتبرون الأمر دعوة لرسالة إلهية، وليس في ذلك أي جُرم. ونرى هذين الموقفين يتكرران عبر التاريخ كلما جاءت رسالة جديدة.

لنعود إلى الحاضر، وللتوضيح والتحليل، أطرح التشريح الآتي:

مثلا، “فيليب” فرنسي مقيم بالمغرب، واِعتنق الإسلام بعدما كان يؤمن بالمسيحية بالوراثة. وهناك “محمد”، مغربي واعتنق المسيحية بعدما كان يؤمن بالإسلام بالوراثة كذلك. وأمام هاتين الحالتين، أرى المغاربة في تقييمهم، يستعملون أحكاما متناقضة تتضح في النقط التالية:

حرية العقيدة

يعتبر المغاربة “فيليب” حرًّا في اختياره لعقيدته، ولا إكراه في الدّين. أما بالنسبة إلى “محمد” المغربي، لا تُعتَبر له حرية في العقيدة بل يُعتبر كافرا ويُحرم من حقوقه في ممارسة شعائر دينه علنا كما يفعله بقية إخوانه المغاربة المسلمين. فبأي مكيال تم التمييز بين “فيليب” و”محمد”؟

الرّدة:

إذا استعملنا منطق الردة فسنعتبر أن “فيليب” قد ارتد عن دينه السابق، وهو مرتد؛ ولكن المغاربة لا يطبقون على “فيليب” حكم الردة بل يعتبرون ما فعله من الحريات الفردية العامة وسيرحبون به ويهللون له. أما بالنسبة إلى “محمد” الذي استخدم الحق نفسه في حرية المعتقد، فسيعتبره إخوانه المغاربة مرتداً، وهنا تغيب فجأة حرية العقيدة. ومرة أخرى أتساءل: أين هي عدالة المنطق في الحكم بين “فيليب” و”محمد”؟ ولماذا لا يطبق عليهما معيار واحد؟

زعزعة العقيدة:

بالنسبة إلى حالة “فيليب”، سيقول عنه المغاربة، إنه دخل الإسلام طواعية عن قناعة. أما صديقه المسلم الذي نجح في دعوته للدخول في حظيرة الإسلام، سيتجاهلونه تماماً في مسألة ارتكابه لجرم زعزعة العقيدة . بينما بالنسبة إلى حالة “محمد” المغربي فإن أشقاءه في الوطن سيزعمون أن هناك مبشرين مسيحيين قد زعزعوا عقيدته ووجب عليهم الطرد خارج الوطن. أين هو المنطق الذي تم استخدامه في كلتا الحالتين؟

وإذا شرع “فيليب” في نشر الإسلام بحماسة، وسط محيطه الأجنبي بالمغرب، واهتدى على يديه مثلا “إليزابيث” و”فْرنْسْوا”، فهل المغاربة سيتهمون “فيليب” بزعزعة العقيدة ويلقون به خارج حدود المملكة؟

وهكذا، رأينا أن المغاربة يحكمون بشكل متناقض بين “فيليب” و”محمد” في حين أن الاثنين سلكا المنهج نفسه.

فإذا طبقنا بكل أمانة منطق المغاربة، فإن كل رسول دعا إلى رسالة جديدة وآمن به نفر من قومه هو مُدان بتهمة زعزعة العقيدة، فضلاً عن اتهام كل من يؤمن به بالارتداد عن دين الأمة الرسمي. وعليه، بتطبيق هذا المنطق، فإنه لن يبقى أي رسول إلا وسيصنف في خانة مزعزعي العقائد، ولن يبقى أحد من أتباعهم إلا وسيتهم بالردة.

فلهذا، أجد أن الأمر جد خطير حين أجد المغاربة يستخدمون اتهامات الردة وزعزعة العقيدة على إخوة لهم في الوطن؛ لأنهم بحكمهم هذا، يصدرون من حيث لا يدرون الأحكام الجائرة نفسها على سائر الرسل.

*خبير في التحليل النفسي للمجتمع المغربي والعربي

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail
sans titre 1 CasualStat