العقل والجمال

عبد الغني العمري الحسني

شاهدت في المدة الأخيرة شريطا عن كوريا الشمالية، فعجبت من مظاهر الانسجام التي تبدو عليها العاصمة بيونغ يانغ، ومن النظافة العامة التي تعكس حرص الشعب الكوري على الحياة العامة المشتركة. ورغم أن النظام الشيوعي القامع للتعبيرات الشخصية، قد يكون وراء ما ذكرنا؛ إلا أنه على كل حال أفضل مما هي عليه الدول العربية من فوضى بكثير. إن غياب الإعلانات الضخمة، من شوارع العاصمة الكورية، والتي يعتبرونها تلوثا بصريا، هو أقرب إلى روح الإسلام، لو كان العرب يعتبرونه. وإن غياب الواجهات، من محلات البيع، هو أيضا أقرب إلينا، إن كنا نريد أن نحافظ على إنسانية الإنسان، بدل تسليعها وإدخالها في سوق التداول الرأسمالي المتوحش. أما من جهة الاستقلال والعمل على مشروع وطني ينخرط فيه الصغير والكبير والذكر والأنثى، فلا مجال للمقارنة!…

لعل العرب اليوم، هم الأمة الوحيدة، التي يعمل حكامها بعكس ما يقتضيه تاريخها، وما يستوجبه مستقبلها. إن غياب الانسجام بين الإسلام، والسياسات المتبعة في جميع القطاعات، يجعل الناظر إلينا، يشك في أن شعوبنا قد قبلت الدين طواعية؛ وسيرجح أنها أسلمت مكرهة، حتى إذا هي وجدت أول فرصة للتعبير عن حقيقة ما تريد، نبذته وارتمت في أحضان الليبرالية الشيطانية، التي لا حلال فيها ولا حرام؛ إلا ما يحله المرء لنفسه أو يحرمه.

وإن رجعنا إلى كوريا وعلمنا أن البوذية تكاد تكون الديانة الوحيدة لديها (بالإضافة إلى تأليه الحاكم)، وقارناها بالدول العربية التي هي بحسب الزعم على الدين الحق، فإننا سنصعق من انضباط أولئك لما هم عليه، ولتحلل هؤلاء من جل ما كانوا عليه. ولو كان الأمر ردة بعد إسلام، لقلنا بتغيير الوجهة العقدية من جهة إلى أخرى، لأسباب موضوعية عرضت لأهل البلد، كما يحدث هذا للأفراد في مختلف مراحل أعمارهم؛ ولكن المصيبة عندنا هي هذا التناقض الذي يكاد يعم كل شيء، والذي لا مسوغ له من العقل البتة.

أما عن الاقتصاد فلا تسل؛ فكوريا رغم الحصار المعلن عليها من المجتمع الدولي المنافق، فإنك تجدها تعمل داخليا على تحقيق العيش الكريم للشعب بأكمله، رغم القصور الظاهر؛ وأما خارجيا، فإنها تكاد تكون الدولة الأولى في مواجهة تغول الولايات المتحدة من حيث تباين السياسات. وإذا قارنا إنجازاتها بما هي الدول العربية عليه، الغنية بمختلف الموارد الظاهرة فوق الأرض والتي تحتها، فإننا سنصاب بصدمة تكاد تعصف بما تبقى لنا من عقل. لو أن الدول العربية كانت تعمل لمصلحتها، وبسياسات مدروسة تنسجم مع منطلقات دينها، لكانت القوة العظمى على وجه الأرض من غير شك. إن الإنسان العربي، حتى في الدول الغنية، يعيش على تسوّل قوته، وكأنه أجنبي في أرضه. فإن برم بحاله، فُتحت أمامه أبواب الغيبة عن الوعي بشتى أنواع المخدرات، التي يعمل ساسته على عدم حرمانه من وجودها…

إن ما تعيشه الدول العربية من تنافر بين مكونات مجتمعاتها، يجعل من المحال اتفاق أبنائها على شيء. وهو نتيجة لمراحل متتابعة من عملية مسخ ممنهج، خُطط لها من خارجها، ما دمنا لا نقر لحكامها بمقدرة على إعمال المادة الرمادية من أدمغتهم الفارغة.

إن الدول العربية الآن، لا تستحق وصف الدولة، وإن كانت تجمعات شعبية، تعيش وفق نمط حياة مخصوص، يميّز هذه عن تلك. إنها أشبه بالمزارع، حيث يربى الناس كما تربى الأبقار، ليوم تُذبح فيه أو تباع!… وإن أعجب ما في الأمر، هو عدم اكتراث الشعوب لمصائرها دنيويا وأخرويا، في لا مبالاة منقطعة النظير، تفوق كل مظاهر الأمراض النفسية المصنفة وغير المصنفة…

إن العقل إذا استقام من أمة، فإنه يظهر في كل شؤونها، من التربية الأسروية، إلى تدبير المرور في شوارع المدينة، إلى طريقة بناء البيوت، وصولا إلى تنظيم المقابر والمستشفيات. إن العقل المنظم، لا ينتج عنه إلا التناسق والجمال. وإن العقل الذي لا يهتم لطريقة القيام بفعل من الأفعال، أو يؤديه بطريقة آلية، يكون فيها كالغائب عن الواقع، لن يكون إلا عقلا منتحرا؛ اختار الموت على الحياة، وإن جبُن عن المرور إلى التنفيذ الفعلي.

إن سكوت شعوبنا على ما تعيشه من معضلات، لا يجعلها مظلومة، مغلوبة على أمرها، تستدر الشفقة من قلوب عقلاء العالم إن وُجدوا؛ ولكنه يخرج بها إلى خانة الشريك في الجريمة؛ جريمة طمس الهوية، ورهن مستقبل الأجيال، التي لا ذنب لها إلا أنها من أصلاب هذه المسوخ العالة…

إن على من بقيت فيهم بقية حياة وعقل، أن يقوموا في بلدانهم ليعدلوا الأمر ولو قليلا؛ بالكلام والموقف، إن لم يكن بالفعل؛ ليأتي فيما بعد -إن شاء الله- من يكمل المسار. إن ما نعيشه اليوم، هو موت سياسي اجتماعي حضاري، ناتج عن موت ديني، رعاه كهنوت أدمن المتاجرة بكل شيء، حتى بما هو دين!…

سمعت أحد المفكرين الغربيين في الآونة الأخيرة يقول: إن العالم الإسلامي يعيش اليوم قرونه الوسطى. وأنا وإن كنت لا أوافقه على مراده كله (لأنني أفصل دائما بين السياقين الغربي والعربي)، إلا أنني لا أستطيع أن أنفي ما أراه من انحطاط وتهاو في غيابات الظلام!…

إن الجمال ليس قيمة من نوافل القيم؛ ولكنه القيمة الناظمة لجميع القيم. إن الجمال في كل عالم بحسبه، وليس محصورا في جمال الخِلقة والأجسام. إن جمال المعنى الذي يثمر أكثر معاني الأخلاق سموا ورفعة؛ لا يكون من أهله، إلا من كان ربانيا، له نسبة إلى مَن له الجمال المطلق سبحانه!…

إن الجمال الحق، لا تعرفه العقول المعاشية؛ وإنما تساق إليه وتوضع على دربه فحسب!…

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail
sans titre 1 CasualStat