غـازالـرادون،الـقاتل الـصامت ! – AchPress – آش بريس sans titre 1

غـازالـرادون،الـقاتل الـصامت !

*عبد الحميد المكاوي

تحيط بنا الكثير من المخاطر ولا نعيرها أدنى انتباه واهتمام إلا عندما يفوت الأوان. خاصة إن كانت خفية وأن تأثيرها لا يظهر مباشرة وإنما يحتاج وقتا طويل، وهذا ناتج عن جهلنا ، أو تجاهلنا أو تعنتنا، وفي كثير الأحيان نتيجة غياب سياسات تحديريه للوقاية منها من طرف الجهات المعنية بالصحة البيئية في مجتمعانا، وكذلك المكلفة بالبحث العلمي. من بين هذه المخاطر ارتفاع مستوى غاز الرادون في بيوتنا والذي، بدوره، لا نضعه في الحسبان أثناء حملات التوعية الصحية،علما بأنه حسب العديد من الدراسات يحتل المرتبة الثانية ضمن أكثر العوامل المسببة للإصابة بسرطان الرئة، وتزيد خطورة تأثيره لدى المدخنين بصفة خاصة.

الرادون عنصر كيميائي رمزه “Rn” وعدده الذري 86في الجدول الدوري، وهو عديم اللون والطعم والرائحة، كما أنه من العناصر المشعة (radioactif)، خامل كيميائيا (gaz rare) غير قابل للاشتعال و سام جدا. تم اكتشافه عام 1900 من قبل فريدريش إرنست دورن (عكس ما تذهب إليه بعض المصادر) الذي وصفه بأنه “انبعاث الراديوم”. واسمه مشتق من اسم العنصر الكيميائيّ الراديوم، وكان اسمه في بداية الأمر رادون نيتون. يعتبر العنصر الإشعاعي الثالث الذي تم اكتشافه بعد الراديوم والبولونيوم(وليس الخامس كما يقول البعض). لا يتفاعل بسهولة مع العناصر أو المركبات الآخرى،غالبا جدا ما يكون ذو منشأ طبيعي، ينتج عن تفكك عنصر الراديوم المشع.يرجع هذا العنصر إلى كلٍ من السّلاسل الثّلاث الأكثر أهمية من سلاسل النشاط الإشعاعي الطّبيعي،وهذه السّلاسل هيسلسلة الثوريوم-232 وسلسلة اليورانيوم-238، وسلسلة اليورانيوم-235، ولا ينتمي لسلسلة النبتونيوم-237 (انظر السلاسل آخر المقال). تنبعث منه نظائر (Isotopes) صلبة من عنصر البولونيوم، وهي نظائر تبث جسيمات ذات طاقة عالية وسرعة بطيئة تسمى إشعاع “ألفا”، وتقذف جسيمات ألفا أجسامنا بشكل مستمرلكن لا تستطيع غالبيتها اختراق البشرة،بل يمكن إيقافها بورقة عكس أشعة “بيتا” أو “كاما”.

استخدم الرادون في أوائل القرن العشرين لعلاج بعض أنواع السرطان والعديد من أمراض المناعة الذاتية، مثل التهاب المفاصل، عن طريق تعريض المريض للرادون، وذلك قبل اكتشاف آثاره  الجانبية المسببة لسرطان الرئة، ويُستخدم لتوقّع حدوث الزلازل، رغم عدم اعتباره مصدراً موثوقا به، ويستخدم فى إطار بعض العلاجات التى تعرف بالعلاج الإشعاعى” Radio-thérapie”والتى تكون بشكل أساسى علاجاً باستخدام حمامات مياه ساخنة، أو ينابيع مياه معدنية ساخنة يكون فيها تركيز الرادون عاليا.كما استُخدم في التصوير الإشعاعي، إلا أنه استبدل بالأشعة السينية (X)؛ نظراً لأنها أقل تكلفة وخطراً.

يُعَد الرادون متوسط الانحلالية في الماء، وتزداد انحلاليته بنقصان درجة حرارة الماء، لذلك عندما تسير المياه الجوفية الباردة عبر صخور التربة الجوفية تمتص كمية لا بأس بها من غاز الرادون. لما يسخن الماء أو يُحرّك فإن كمية كبيرة من الرادون تنفلت وتنطلق.

الرادون من بنات اليورانيوم كما قلنا أنفا، لذى عندما يتحلل هذا الأخير في جوف الطبقة العليا للأرض، ينتج الرادون الذييسعى إلى الهروب إلى الوسط الخارجي. وتختلف كمية الراديوم واليورانيوم من مكان إلى آخر حسب الطبيعة الجيولوجية. وبشكل عام فإنه يوجد في الصخور الموجودة في القشرة الأرضية، و يتسرّب من باطن الأرض إلى داخل المباني والمنازل (أنظر الصورة المأخوذة من موقع laradioactivite.com) عبر الشقوق الموجودة في الأساسات، أو عن طريق البالوعات الأرضية أو المسام التي يحتويها الطوب الإسمنتيّ الأجوف للجدران او السيراميك، ويوجد فى الأماكن الصخرية أو الحجرية المغلقة مثل الكهوف وسراديب المنازل والمناجم والفوالق الصخرية والمقابر الأثرية القديمة وسط الأحجار والصخور.وقد يظهر هذا الغاز في مستويات تركيز مختلفة.وينتشر بكثافة أكثر فى قطاع الصناعات الاستخراجية فى المناجم الجوفية أو السطحية.كما تجدر الإشارة إلى أن تركيز الرادون في المنازل يتغير من فصل إلى فصل، و من شهر إلى شهر وحتى بين يوم ويوم.

.ولأنه الغاز عديم اللون والرائحة كما قلنا مسبقا ولا يمكن كشفة بالحواس البشرية، لذلك يتطلبمعرفة درجة وجوده على الكشف عن الأشعة المرافقة لتفككه لتحلل نتائجه،وهو أثقل الغازات النبيلة كما أنه أثقل من الهواء سبع مرات ونصف (تقريبا 8 في بعض المراجع)، يوجد فى الأسفل دائماً، وبذلك يكون متجانساً مع الهواء الداخلى للمنازل، وهنا تكمن خطورته، حيث يكون تركيزه داخل المنازل بشكل عام أعلى من 2 إلى 10 مرات منه فى الخارج.

حسب منظمة الصحة العالمية، يحتوي الغلاف الجوي للمكان عمومًا من الرادون على ما بين 5 و 25 بيكريلفيالميترالمكعب ، ويمكن العثور في بعض الأماكن على درجات تصل إلى 10000 بيكريل / الميترالمكعب. عندما يتم استنشاق غاز الرادون فيالهواء ترافقه نظائر قصيرة العمر النصفيالإشعاعي، لهذا الغاز،وتبقى هذه المنتجات في الرئتين لفترة كافية لتتفكك، وبالتالي تشع بشكل رئيسي خلايا الطبقة القاعدية للظهارةالرغامية القصبية (la couche basale de l’épithélium trachéo-bronchique).ولا تظهر أثارها إلا بعد فترة طويلة من الزمن قد تصل الي عشرات السنين (Effet stochastique).وعادة فإن جسم الإنسان يحتوي على حوالي 10000 بيكريل من النويدات (Radionucléides)المشعة الطبيعية. ويمثلالبوتاسيوم 40 الجزء الأكبر من هذا النشاط (4000 بيكريل) والكربون 14 (3500 بيكريل) ، فيما لا يمثل الرادون 226 إلا حوالي 1 بيكريل دائما حسب منظمة الصحة العالمية.

ولخفض نسبة الرادون التي نتعرض لها في المنازل، وكسلوك وقائي،ينصح بقضاء وقت أقل في الأماكن التي يُمكن أن تحتوي على نسب مرتفعة من هذا الغاز كالأماكن المنخفضة في المساكين كالقبو “Le sous-sol” والسردابوالكراج. ويجب تهوية المنازل جيداً عن طريق فتح جميع النوافذ وتشغيل المراوح إذا اقتضى الحال، لنقل الهواء الخارجى للداخل ، وخصوصاً في الغرف الداخلية. وينصح بغلق الآبار إن وجدت داخل المنزل.وغلق الشقوق والفتحات والثقوب الموجودة فى أساسات الجدران والأرضيات بإحكام عبر تشميع أماكن دخول الغاز،وتغطية سطح الأرض المكشوفة فى السراديب ومناطق التخزين والمصارف والفراغات الضعيفة. وهناك من يعتمد خاصية الفحم الفعال فى امتصاص غاز الرادون ونواتج تفككه. وتستعمل المرشحات (Filtres) الخاصة بهذا الغاز لاصطياده. وينصح باستعمال ماء شبكة المياه العامة عند بناء المنازل عوض استخدم مياه الآبار. على اعتبار أنه عادة ما يتم حفظ مياه الشبكة العامة من أجل المعالجة ومن ثم التخزين وبعد ذلك التوزيع الوقت الذي يتفكك فيه الرادون ونواتج تفككه المنحل في الماء قبل أن يصل إلى الأبنية

وفي الأخير إن موضوع الرادون من الموضوعات المهمة التي تستلزم التوقف عندها وإجراء الدراسات والأبحاث حولها، لكن ما نشاهده في بلادنا لا يبشر بالخير، فقبل أن أبدأ كتابة هذا المقال أردت معرفة مدى اهتمام النخبة العلمية المتخصصة في هذا المجال، فدخلت للموسوعتين العلميتين العالميتين “ScienceDirect” و “Scopus” فلم أجد سوى بعض المقالات المحسوبة على رؤوس الأصابع لكفاءات معروفة على الساحة المغربية لا داعي لذكر أسمائها، عملتْ على قياسات الرادون في بعض المدن. أين نحن من خريطة قياس الرادون في فرنسا أو سويسرا أو كندا… الذين عمل خبرائها على انجاز دراسات علمية في ما يخص كثافة الرادون في جميع أنحاء بلادها، وذلك برصد وقياس مستوى كثافته داخل المساكن، والمدارس، والمستشفيات، وقياس الإشعاعات في مواد البناء. كما دفع بعض الدول لإدخال القوانين التي تنص على كيفية وضع البنى التحتية لبيوت السكن بحيث تأخذ بعين الاعتبار كيفية تقليل كثافة غاز الرادون داخل السكن.

*دكتوراه في الفيزياء النووية من جامعة محمد الخامس بالرباط

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail
sans titre 1 CasualStat