الرأسمالية بنظام “الإيتش دي” (HD)

زكية حادوش

إن كنتم تنتمون إلى جيل السبعينات والثمانينات وحتى بداية التسعينات ودرستم في الجامعة المغربية، أكيد أنكم تتذكرون بعض العبارات “النضالية” المعروفة، من قبيل “تحالف الرأسمالية والإقطاع” و”الكومبرادور”، أو”التحالف الرأسمالي الإمبريالي”…الخ. يا سلام على أيام الكلية!

كان المكان أرحب والوطن يتسع للجميع رغم طعم الرصاص ومذاق الدم أحيانا ومرارة الاغتراب والاختفاء القسريين أحيانا أخرى. كان للزمن وقع مختلف حين يمر بخطواته المستمرة الواثقة من نفسها. وكانت لنا أحلام بسعة الفضاء لا تختصرها الكلمات…

تلك الكلمات التي يستعصي عليها ترويض أحلامنا، ثم نعوضها بكلمات من جنس العبارات السابقة.

ليسمناسبة هذا الاستحضار الحنين إلى الماضي لأن “البكاء وراء الميت خسارة” كما نقول دائما، ولكن اكتشاف بسيط ربما أتى متأخراً عن موعده وربما هذا وقته، ألا وهو أن تلك العبارات القديمة المرتبطة بوعي “فطري” للسياسة آنذاك ولموازين القوى تنطبق على حالنا اليوم أكثر من أي وقت مضى وربما لم تكن تلك الأجيال المذكورة تفهمها حين تنطقها أو تسمعها أكثر مما قد تفهمها الآن.

الآن وقد تغيرت الأزمنة، وانقلبت المفاهيم إلى درجة أنها فقدت معناها. فالرأسمالية، على سبيل المثال لا الحصر، أضيفت إليها نعوت شتى من قبيل “المتوحشة” و”المهيمنة”…كأن الرأسمالية ليست متوحشة ومهيمنة بالضرورة. كما تعرفون، وبما أن اللعب على مستوى الكرة الأرضية بأسرها صار على المكشوف ولم يعد أي “رأسمالي” يخفي مناوراته ولا أساليبه القذرة أو يخاف من الفضيحة، أصبح الوجه الحقيقي للرأسمالية كنظام سياسي واضح المعالم، أو بتعبير أكثر ملاءمة للعصر صرنا نرى الرأسمالية بنظام “الإيتش دي” (HD).

ومن بين الحقائق التي ينبغي أن نعرفها عن الرأسمال أنه في المقام الأول جشع، لا يكتفي ولا يشبع أبدا حتى إن أدى الأمر إلى تفقير السواد الأعظم من البشرية. ثانياً، أنه مهيمن، إذ يهيمن المال على الاقتصاد ومن ثمة على السياسة وبالتالي يتحكم في كل “شاذة وفاذة” من شأننا العام. ثالثا، أنه متوحش فهو يفترس دون تمييز ودون اعتراف بالقوانين الوضعية ولا بالقوانين الأزلية ولا بالحدود الجغرافية…رابعاً، أنه افتراضي، إذ يبيع ويشتري في أوهام الرفاهية عبر صناعة إعلامية وترفيهية ودعائية أخطبوطية، ويتحكم في بورصات الأرض بالإشاعات وبأوراق لا وجود لمقابل مادي لها بل بأموال لا وجود لها على أرض الواقع. خامساً، أنه جبان، إذ يستثمر في المضمون دائماً ويضرب تحت الحزام قبل أن يفر هاربا. سادساً، أنه شمولي فدولة واحدة وقارة واحدة لا تكفي لجشعه. سابعاً وأخيراً، أنه لا إنساني.

وهنا مربط الفرس، لا إنسانية الرأسمالية تبدو جلية في المؤشرات التي تفصح هي عنها عبر حكوماتها ومكاتب دراساتها ومعاهدها ووسائل إعلامها المتخصصة: الهوة بين مجتمع الوفرة (دول الشمال) ومجتمع الحاجة (دول الجنوب) في اتساع مهول، مقابل تمركز الرأسمال العالمي بين أيدي أشخاص يقل عددهم عاماً بعد عام، واحتلال تجار الموت والمرض والبؤس للمراكز الأولى من حيث رقم المعاملات…كصناعة وتجارة الأسلحة، الأدوية والصحة، الأغذية، البناء الذي ازدهر بفضل الأولى ضمن أوراش إعادة الإعمار وسوق اللاجئين عبر العالم (وهكذا يجب قلب المثل الشعبي ليصبح: “اللي دك الجمل حرثو”). ولا ننسى طبعاً القطاعات المرتبطة بالشبكة العنكبوتية وبالاتصالات، وتلك المرتبطة بالطاقة ولا نميز هنا بين الطاقات الأحفورية ولا تلك المسماة “بديلة” لأن سوق هذه الأخيرة في نمو بفعل الخطابات ” الخضراء” ولا أقول عقلية “المحافظة على البيئة” لأن الأمر يتعلق فقط بما يسمى التبييض البيئي للأموال (Éco-blanchiment) وليس بأي هاجس إنساني أو وازع بيئي. والسلام.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail
sans titre 1 CasualStat