العزيمة..

اسماعيل الحلوتي   

بالوسط الغربي من بلاد المغرب، في ربوع الأطلس المتوسط، حيث تقع وسط جبال شامخة مدينة تسمى “بني ملال”، وهي مدينة صغيرة في مساحتها، كبيرة بتاريخها وناسها، مدينة ذات مناخ قاري، ترتفع حرارتها في فصل الصيف وتنخفض في فصل الشتاء. مدينة تتميز بمعالمها التاريخية الساحرة، جمالها المبهر والأخاذ، طبيعتها الخلابة وعيونها المتدفقة بمياهها العذبة وأسوراها العتيقة. مدينة اجتمع فيها من مظاهر الراحة والاستجمام ما تفرق في المدن الأخرى، ولو أن المسؤولين والمنتخبين أولوها ما يليق بها من بالغ الاهتمام وحسن الرعاية، لنافست المدن السياحية العالمية، وكانت قبلة للزوار من مختلف الأقطار… هناك بأحد الأحياء الشعبية الآهلة بالسكان الطيبين من الطبقات الفقيرة والمتوسطة، رأت كريمة النور ببيت تقليدي بسيط.

عاشت كريمة داخل أسرة معوزة ومحافظة، كمعظم الأسر المغربية المتشبتة بتعاليم الدين السمحة والمتحلية بقيمه الفضيلة، بعيدا عن كل أشكال الغلو والتطرف. من أم أمازيغية تدعى “زاينة”، هادئة الطباع، خجولة حتى أمام زوجها وجاراتها ولا تكاد تخرج من البيت إلا للضرورة القصوى، فيما الأب من أصل بدوي اسمه بوشعيب، خدوم ودائم الضحك، يلقبه الناس ب”لمعلم بوشعيب”، لكونه يدور مع دوائر الزمن الصعب، قصد تأمين لقمة عيش شريفة ونظيفة لأفراد أسرته، فهو مرة كهربائي، ومرة رصاص، وأخرى صباغ أو بناء… إذ يصدق عليه المثل الشعبي القائل: “سبع صنايع والرزق ضايع”.

وكريمة التلميذة النجيبة هي البنت الكبرى والأم الثانية لأشقائها الخمسة، ثلاث بنات وولدان. وهي أشد حرصا على التحصيل الجيد، من خلال الاجتهاد المستمر والمواظبة على الحضور حتى في أحلك ظروف الأسرة وعند المرض، لم تكن يوما تتخلف في مد يد العون لوالدتها، إن لم تكن تتحمل النصيب الأوفر من ثقل المسؤولية، من حيث السهر على مساعدة إخوتها في حفظ الدروس وإنجاز الفروض والتمارين المدرسية، والقيام بموازاة ذلك بالأشغال المنزلية في ما يتعلق بالتنظيف والطبخ أحيانا.

عانت وسائر أفراد الأسرة من شظف العيش ومختلف ألوان الحرمان، حيث أن والدها “لمعلم بوشعيب” كان بالكاد يتمكن من كسب مصروفهم اليومي، وتزداد أحوال البيت المالية تأزما كلما تواترت الزيادات الصاروخية في أسعار المواد الأكثر استهلاكا وإبان الأعياد والمناسبات الدينية وخاصة عيد الأضحى وشهر رمضان والدخول المدرسي، إذ يشتد الضغط وتتضاعف الأعباء المادية. وعديدة هي المرات التي يوشك فيها اليأس أن يتسرب إلى كريمة، وتساورها الوساوس على مستقبل إخوتها أمام سحب الحزن الكثيفة التي تخيم على وجهي الأب والأم، فتفكر في الانقطاع عن الدراسة والخروج للعمل في أي شيء لتقاسم أباها عبء المسؤولية المادية. بيد أن إباء الأبوين وعزة نفسيهما، كانا يتصديان لها ويمنعانها من الإقدام على أي خطوة غير محسوبة العواقب، فهما تعاهدا على عدم الزج بها ولا بأي واحدة من أخواتها أو أخويها في غياهب العمل بالبيوت أو تزويج إحداهن مبكرا للتخفيف من حجم المصاريف، لاسيما أنهما يتخوفان مما تتناقله الألسنة والأخبار التلفزيونية من حكيات حزينة ومآس متنوعة عن عمال البيوت من الأطفال وزواج القاصرات…

وبنفس الرتابة المألوفة، ظلت الأيام والليالي تزحف ببطء سلحفاة في البراري، ودون ضجر ولا تبرم استمر “لمعلم بوشعيب” متشبثا بالأمل في المستقبل، يواصل معركته ضد صروف الزمن متسلحا بما حباه الله به من نعم أقوى من سلطة المال. فقد من الله عليه بالسكينة والطمأنينة ووهبه القدرة على الصبر والتحمل والقناعة وروح الدعابة  وحب الناس، ويتجلى ذلك عبر دعم العائلة والأصدقاء على بساطتهم، كلما ضاقت به السبل واشتد عليه الخناق وخاصة عندما يلم به المرض أو بأحد أفراد أسرته، فضلا عن أنه رزقه أبناء من خيرة أطفال الحي، ظرفا واجتهادا. وكانت كريمة مرجعا دراسيا لأقرانها ذكورا وإناثا محبوبة لدى الجميع حتى بين مدرسيها في جميع المستويات الدراسية، نالت من النتائج الممتازة ما جعلها تصبح مضرب الأمثال في الذكاء والنبوغ. وبقيت كذلك إلى أن تمكنت من نيل شهادة البكالوريا  بميزة حسن جدا في العلوم الفيزيائية، مما أهلها إلى اجتياز مباراة كلية الطب بنجاح..

وعلى الرغم من هزالة المنحة والإقامة بعيدا عن بيت أهلها، استطاعت كريمة بما تملكه من عطف المقربين وإيمانها الشديد بضرورة بلوغ هدفها، أن تشحذ همتها وعزيمتها وتتابع دراساتها الجامعية بحماس منقطع النظير، وكان من بين ما يحفزها على التفوق، النجاح المستمر لإخوتها ورغبتها الجامحة في أن تصبح طبيبة وتحرر والديها من جحيم الفقر، الذي ما انفك يكدر صفو حياتهم في غياب سياسات عمومية للرعاية الاجتماعية، تعمل على تحقيق رفاهية المجتمع…

ويشهد الكثيرون على أن من بين أبرز نقط قوة كريمة ليس فقط عنادها وإصرارها على تحدي الصعاب واستكمال دراساتها العليا في مجال الطب، وتحقيق أمنية أمها “زاينة” وأبيها “لمعلم بوشعيب”، بل كذلك صمودها وعدم استسلامها أمام ما كانت تتعرض إليه من إغراءات على أيدي بعض الطالبات المنحرفات، اللواتي كن منبهرات بجمالها “الملالي” (نسبة إلى مدينة بني ملال).

كريمة اليوم طبيبة بأحد المستشفيات العمومية، متزوجة من طبيب أخصائي في جراحة العظام، ولها طفلان. لم تنس أن تلبي أمنية والديها في أداء مناسك الحج،  تزوجت اثنتان من أخواتها الثلاث، بينما مازالت الثالثة وأحد الأخوين بدون عمل رغم حصولهما على الإجازة.

 

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail
sans titre 1 CasualStat