واتنغيراه!

  • زكية حادوش

” قامت السلطات المحلية، يوم الأربعاء وبتنسيق مع النيابة العامة المختصة، بتسخير القوة العمومية لفض تجمهر قامت به مجموعة من الأشخاص بورش إنجاز “سد تودغى” بإقليم تنغير مع عرقلة الأشغال منذ 15 نونبر الماضي… وقد تم توقيف 11 شخصا خلال هذا التدخل…” هذه مقتطفات مما جادت به قريحة عمالة إقليم تنغير حول ما يحدث هناك منذ أشهر.

أما وزارة الأوقاف فقد أصدرت كذلك بلاغا تعلن فيه عن “توقيف” إمام مسجد في نواحي مدينة تتغير خطب يوم الجمعة الماضي في المصلين قائلا: ” إن الجنوب الشرقي للمملكة لم ينل استقلاله بعد، وإن الدولة مستمرة في نهب ثروات وخيرات المنطقة على حساب معاناة وتهميش الساكنة”…

بوضع البلاغين الرسميين جنبا إلى جنب، يتبين أن وراء أكمة تنغير ما وراءها، وأن ما يحدث هناك ليس بالأمر البسيط، فلهجة بلاغ العمالة المذكورة يذكرنا ببلاغات “مغرب الخير والنماء” و”الشيخات يوم السبت” و”المغاربة الذين يهبون عن بكرة أبيهم للاصطفاف في الشمس وتحت المطر ليوم كاملليحظوا بشرف الهتاف عند مرور القائد الهمام”… الخ.

أما وزارة الأوقاف فحتى إن لم يتغير القَيِّم عليها منذ عقد ونيف، أقترح تغيير اسمها إلى وزارة “التوقيف” وكفى المؤمنين شر القتال، حفاظا على الأمن “الروحي” للرعية. أما وزارة “الدخول في الصحة” التي تدعي من جهتها من خلال البلاغ الأول “حماية الأمن والنظام العامين، وبما يقتضيه ذلك من تحقيق للمنفعة العامة”؛ فأنصحها باستقدام شخص آخر لم يتتلمذ على يد “مسقط الطائرات” لديباجة بلاغاتها، خصوصا الحساسة منها.

حسب علمي، لم يتحرك الناس في تنغير، وفي جرادة وقبلهما في الحسيمة، لأنهم فقدوا صوابهم، وإلا كانوا قد أحيلوا على 36 وليس على المحكمة. إذ كيف يمكن لأي عاقل أن يصدق بأن السكان المجاورين لسد تودغى احتجوا وتظاهروا ضد مشروع سد سيعود عليهم بالمنفعة، سواء عبر تخزين ماء ينفع خلال السنوات العجاف، أو الوقاية من الفيضانات خلال السنوات المطيرة؟ وكيف يمكن لخطيب مسجد أن يقول كلاما من قبيل “الاستقلال الشكلي” وهو يعلم علم اليقين أن ذلك سيؤدي بالسيد “التوقيف” (عفوا التوفيق) إلى عزله؟

إذا فحقيقة الوضع هي حتما مخالفة للخطاب الرسمي، ومن أراد التحقق ما عليه سوى الذهاب إلى عين المكان أو ربط الاتصال بالمعنيين مباشرة. والأخبار من هناك تقول إن السد ليس سداً عادياً، بل هو سد سياحي وترفيهي. وقد تعرض سكان المنطقة “الأصليين” للطرد من أراضيهم وللتضييق في لقمة عيشهم وعلى حرياتهم في سبيل إنجاز هذا المشروع الذي سيعود حتما بالنفع العميم على نفس “موالين الشكارة” وليس على الساكنة. وعندما اختاروا الاحتجاج تعرضوا للقمع في إطار “المفهوم الجديد للسلطة”، سلطة المال المستقوي بأوهام الرفاهية وبآليات الوجه الآخر للدولة.

ما عسانا نقول وما عسانا نفعل غير إننا سئمنا من تكرار لازمة ضرورة التغيير، تغيير مقاربة “المغرب النافع مقابل المغرب غير النافع” السائدة أيام الاستعمار وبشكل أكثر حدة بعد “الاستقلال الشكلي”. رغم السأم، إن لم أقل القرف، ما زال في الصدر متسع من الهواء والهوى للصراخ: كفى من تعميق الفوارق المجالية ومن “إغناء أغنياء النظام على حساب تفقير فقراء الشعب وجهات بأكملها”!

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail
sans titre 1 CasualStat