أيها المغاربة احذروا “الحوت الأزرق”… اللعبة القاتلة

طنجة- مـــــراد بنعلي

إذا كان انتشار التكنولوجيا الحديثة ونقصد بالضبط “الأنترنيت” قد أثر إيجابيا في تيسير التواصل بين الناس عبر بقاع العالم، وحول هذا الأخير كما جرت التسمية إلى قرية صغيرة لا تفصل بينها “الحدود التواصلية”، من خلال حضور قوي ومؤثر لمختلف المواقع والتقنيات ووسائط ووسائل التواصل الاجتماعي (الفايس بوك، الواتساب، السناب شات…) تسجل كل دقيقة جديداً جديرا بالتحليل والقراءة. فإنه بالمقابل هذه التكنولوجيا كان لها وما يزال تأثير سلبي كبير وملحوظ في مناحي حياة الإنسان، وخصوصا الأجيال التي تزامن خروجها إلى هذا العالم مع ظهور هذه التكنولوجيا، التي اخترقت المؤسسات المختلفة والبيوت والإنسان من خلال أدوات بات يستعملها يوميا ولا يستطيع الاستغناء مطلقا مهما حاول جاهدا، أدوات تسلب العقل والتفكير هذا دون الحديث عن استهلاك فترات طويلة أمام أجهزة تتضمن تفاصيل وتطبيقات applications، قد يكون البعض منها مفيدا والآخر غير مفيد وممكن أن يكون مدخلا نحو الضرر والأذى.

   الأطفال الصغار وخطورة التكنولوجيا

التأثير يختلف بين الفئات العمرية، لكنه يظل أقوى عندما يتعلق الأمر بالأطفال الصغار الذين يبدو أنهم أكثر لهفة على التعامل مع هذه التكنولوجيا ويستخدمون الهواتف النقالة بالخصوص بما توفره من صور، فيديوهات، ولعب وتطبيقات في ظل غياب رقابة حقيقية للأمهات والآباء، استخدام له تبعاته التي تكون في الغالب مؤثرة وخطيـــرة قد تصل حد إصابة الطفل بأزمات صحية ونفسية، وتتأثر علاقته بمحيطه الأسري والأصدقاء ويدخل في حالة من العزلة والانطواء.

عن طريق عملية تدقيق في محرك البحث المسمى Play store الذي توفره كل الهواتف النقالة الحديثة يمكن الحصول على الملايين من التطبيقات المختلفة وفي مجالات متعددة، ويمكن أيضا تحميل المئات من التطبيقات والألعاب البسيطة منها والمعقدة الشروط والأهداف. ألعاب تسترعي الانتباه أول الأمر والفضول كذلك بغية الوصول إلى سر حديث العامة والخاصة عنها، كما حدث مع لعبة بوكيمون غوو، ولعبة “مريم” وغيرها من الألعاب التي تسببت لمستخدميها مشاكل لا حصر لها وصلت حد الاكتئاب أو السقوط في خانة الإدمان وحوادث سير ومغامرات مميتة، وانتحار…

    طقوس غريبة وإيذاء للنفس والجسد

وضمن هذه الألعاب الخطيرة التي انتشرت في الفترة الأخيرة بالمغرب “الحوت الأزرق”، وهي عبارة عن تطبيق يتيحه الهاتف النقال حيث يُطلب من اللاعب نقش الرمز التالي  « F57 » أو رسم الحوت الأزرق على الذراع بأداة حادة، ومن ثم إرسال صورة للمسؤول للتأكد من أن الشخص قد دخل في اللعبة فعلاً، تليها تنفيذ 50 تحديات طيلة 50 يوما تنتهي في اليوم الأخير بتلقي الأمر من القيمين على اللعبة ب “الانتحـــــار”. قد يبدو الأمر للوهلة الأولى أنه مجرد لعبة عادية لا تثير أي خطر يذكر، ولكن الأخبار التي توالت في عدد من البلدان بعد ظهور اللعبة عام 2013 في روسيا، تشير إلى أنها لعبـــة “قاتلة” لأن فكرة خلقها قامت على هذا الأساس حيث يقول مخترعها (الموجود حاليا رهن الاعتقال) “فيليب بوديكين”، وهو طالب علم النفس السابق الذي طرد من جامعته لابتكارهِ اللعبة أن هدفه هو “تنظيف المجتمع من خلال دفع الناس إلى الانتحار الذي أعتبر أنه ليس لهُ قيمة”. حالة الخوف الذي أثارتها اللعبة في روسيا دفع الأخير إلى إصدار تشريع يهم الانتحار خصوصا بعد إدانة “بوديكين” بتحريض 16 فتاة على الانتحار عام 2016…

خطورة اللعبة تتجلى في قسوة الأوامر التي يلقاها اللاعب الذي اختار اللعبة والتي تصل حد إيذاء الجسد وتشويهها من خلال علامات وإشارات معينة تحيل على الارتباط التام بالقيمين على اللعبة كالاستماع ومشاهدة أشياء مرعبة ونحت الجسد وقطع الشفاه والاستيقاظ في ساعة معينة من اليوم ( 04:20 صباحا)، والوقوف على حافة سطح المنزل بشكل منفرد وعدد من الممارسات الأخرى التي تتطلب نوعا من الاستعداد المطلق للمغامرة بالذات وإن كانت النتيجة الموت المحتـــــم.

    الجزائر والسعودية وأخيرا المغرب..بلدان عاشت تجربة الانتحار بسبب اللعبة

في الجزائر وما بين نونبر ودجنبر 2017 سجلت أزيد من 5 حالات انتحار في صفوف الأطفال أثبتت التحقيقات أن لعبة “الحوت الأزرق” كانت السبب الرئيسي لها (بجاية، سطيف، الجلفة، تيزي وزو…). وفي ماي 2017، وبالضبط في مدينة جدة- السعودية، سجلت حالة انتحار لطفل يبلغ من العمر 13 سنة أقدم على شنق نفسه عن طريق ربط عنقه بحبل مشدود. وفي المغرب ذكرت منابر إعلامية نبأ انتحار مراهق يدرس بإحدى الثانويات بمدينة أكادير، بعدما أقدم على رمي نفسه من سطح العمارة التي يقطن بها رفقة عائلته.

    لعبة الحوت الأزرق…ابتزاز وتهديد بقتل اللاعب وعائلته

الأمر الرهيب في اللعبــــة هو أنه لا يمكن للاعب أن ينسحب منها نهائيا، وإن حاول ذلك فإن المسؤولين عن اللعبة ينتقلون إلى مرحلة تطبيق العقاب في حق اللاعب عبر تهديده وابتزازه بالمعلومات التي أعطاهم إياها لمحاولة اكتساب الثقة، ليتطور الأمر إلى تهديد صريح بقتل اللاعب وأفراد عائلته. والحال أن الطفل الذي يخوض “المغامرة” وأمام غياب رقابة الأهل وأولياء الأمر وبالنظر إلى خطورة الأمر فإنه غالبا ما يختار الانتحار والتضحية بالنفس…

ولمزيد من التفاعل حو الموضوع، استقينا بعض وجهات النظر التي أجمعت على خطورة اللعبة وضررها، وضرورة منعها في أقرب الأجال حماية للأبناء والأجيال القادمـــة.

    مريم جبارة: نطالب الحكومة المغربية بحظر اللعبة

في تعليقها على الموضوع، ترى مريم جبارة الفاعلة الجمعوية وعضو المكتب التنفيذي لحركة اليقظة المواطنة، أنه لطالما كانت الحكومات مطالبة بتنظيم محتوى برامج الأطفال التي يتم عرضها على قنوات التليفزيون من خلال معايير إلزامية  تضمن  لهم الحماية من المواد العنيفة والإباحية. أما اليوم فالموضوع مختلف، حيث أثبتت دراسة أخيرة بأن الطفل يقضي أمام جهاز متصل بالأنترنيت (حاسوب، لوحة الكترونية،هاتف ذكي ..الخ ..) ما بين الـ7 والـ10 ساعات مما قد يعرضهم للعديد من المخاطر، ولعبة “الحوت الأزرق” لأكبر دليل على ذلك.

وتضيف جبارة أن حماية الطفل من مخاطر استعمال  الأنترنيت هي مسؤولية مشتركة بين جميع الأطراف المتدخلة في المنظومة التربوية من بعيد أو قريب. ولكن المسؤولية الأكبر، تشدد جبارة، تقع على عاتق الحكومة المغربية التي يتوجب عليها تنظيم حملات تحسيسية ودورات تكوينية مستمرة تساعد على تنمية الوعي لدى الفرد والرقابة الذاتية حيث أنهما أفضل ضمان للاستعمال الآمن والاستغلال الجيد الأنترنيت.

وتطالب الفاعلة الجمعوية الحكومة بحظر لعبة “الحوت الأزرق” التي راح ضحيتها تلميذ بجهة سوس والذي كان يمكن إنقاذه لو أنها استجابت للأصوات التي طالبت بذلك قبل حدوث المأساة. فالمئات من الأطفال حول العالم يقضون نحبهم بسبب هذه اللعبة، وجدية الموضوع تقتضي من الجهات المسؤولة التحرك في أسرع وقت لوقف هذه المهزلة، تختم المتحدثة.

    عبد الحميد العبيدي: “ولدي كان خايف بززاف مللي سمع على اللعبة”

فاعل جمعوي وأب للطفل يوسف البالغ من العمر 11 سنة، صرح لنا أنه عاش تجربة خاصة وصعبة للغاية قبل 3 أشهر، وذلك بعدما توصل ابنه بمعلومات مقتضبة من زميل له في المدرسة عن لعبة “الحوت الأزرق”. وبعدها بأيام قليلة يقول العبيدي: “شعر ابني بحالة رهاب شديد، ما قدرش يطلع من الدروج ولا قدر يدخل للمرحاض…”. أمضينا يومها الليلة مستيقظين للتعامل مع هذا الوضع، واكبنا ابني نفسيا لبضعة أيام خصوصا وأن الأمر يتعلق بطفل ويجب التواصل معه بلغة خاصة تراعي سنه، وتواصلنا أيضا مع إدارة المؤسسة لمعرفة ما إذا كان هناك طفل عاش نفس تجربة ابني.

وبلغة كلها براءة تحدث لنا الطفل يوسف عما سمعه عن اللعبة قبل فترة، بحيث أنه كان يشغل جهاز الأيباد ويستمع لموسيقى وفجأة ظهرت تلك اللعبة “التطبيق” على شاشة الجهاز، قائلا: “اللي سمعت على هاد اللعبة وخصوصا أنني مسحتها مللي ظهرت ف الأيباد ديالي، أن اللي مسؤولين على اللعبة كيطلبوا من اللاعب في المرحلة الخامسة مابين العصر والمغرب يشد جنوية ويبدا بالعرق حتى الكود ويقطع عرق يديه، وأنه يرسم مثلث ويكتب اسمو بالمقلوب والمثلث كيتقلب لراسو بعدها..وإما ترمي راسك من السانكيام إيطاج وإما يقتلوا لك والديك”.

ويضيف يوسف: “تحميل اللعبة يسهل عملية التوصل إلى معلومات دقيقة عن اللاعب وعن منزله وأسرته، معلومات يتم التوصل إليها خلال مرحلة التحميل”، مضيفا بلهجة كلة ثقة بعدما تجاوز أزمته: “هذه اللعبة خطيرة غادي تدخل ليهم ف الراس، وكنقول للدراري اللي هوما ف السن ديالي يحيدوا هاد الشي من التليفونات أو أي جهاز كيستعملوه”.

    أيوب الخطابي: الأصل أن يتحكم الإنسان في التكنولوجيا وليس العكس

ويرى أيوب الخطابي الخبير الشاب في مجال التكنولوجيا أن الألعاب التي تعتمد على تحديات واقعية يجب تفاديها حيث لا يعقل أن يلقي المرء بنفسه داخل تطبيق يستحيل إكماله أو ينقطع عن الكلام لمدة تتجاوز الأسبوع من أجل تجاوز تحدي مطلوب من برنامج أو تطبيق معين. فالمنطق، يقول الخطابي، يفترض أن الإنسان هو الذي يتحكم بالتكنولوجيا وليس العكس، فالأصل أن الإنسان هو مخترع التطبيق أو البرنامج وهو من يجب أن يقوده و يضبطه لا العكس. ويضيف الخطابي: “اللعبة في حد ذاتها تلعب على نفسية اللاعب لتتحداه من أجل إثبات نفسه كفرد لا يخاف وأنه الأقوى لكن يظل اللعب لعبا والواقع أمر آخر”.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail
sans titre 1 CasualStat