بريجينسكي والعرب؟

محمد الفرسيوي           
في كتابه(بين جيلين)، الصادر في سبعينيات القرن الماضي، دعا بريجينسكي لتفكيكِ النظام الإقليمي العربي، وطَمْسِ عروبته، وإعادة تشكيله على أُسسٍ عرقية وطائفية… يقول مثلاً؛
« الشرق الأوسط مكونٌ من جماعاتٍ عرقيةٍ ودينيةٍ مختلفة، يجمعها إطار إقليمي، فسكان مصر ومناطق شرق البحر المتوسط غير عرب. أما داخل سوريا فهُمْ عرب. وبناءً على ذلك فسوف يكون هناك شرق أوسط مكون من جماعات عرقية ودينية مختلفة، بعيداً عن أساسِ مبدإ الدولة-الأمة، التي يجبُ أنْ تُحول إلى كانتونات طائفية وعرقية، يجمعها إطار إقليمي (كونفدرالي)… وهذا سيسمح للكانتون الإسرائيلي أن يعيش في المنطقة، بعد أنْ تُصفى نهائياً، فكرة القومية ».
وفي أواخر 2012، في مجلة « فورين بوليسي »، قال على ضوءِ نتائجِ ثواراتِ الربيع العربي المزمع، مُتباهياً؛
« كنتُ أول مَنْ دعا إلى تفكيكِ النظامِ الإقليمي العربي، وطَمْسِ عروبته، وإعادة تشكيله على أسسٍ عرقيةٍ وطائفية… ».بريجينسكي، هو واحدٌ من قُدامى عُرابي السياسةِ الخارجيةِ الأمريكيةِ والصهيونية، مستشار الأمن القومي في عهد جيمي كارتر، مفكر جيو-استراتيجي، مؤلف للعديدِ من الكتب، باحث في مركزِ الدراسات الاستراتيجية والدولية، هوالآن على مرمى حجر من 90 من العمر، يُصنفُ كأحدِ أصواتِ السياسةِ الخارجيةِ الأمريكية، يعتبر كلمة السر في جميعِ الأحداثِ التي تجري اليوم، وكل أفكاره ونظرياته وآرائه منذ سبعينيات القرن الماضي، تُجسدُ المؤامرة الصهيو-أمريكية لخلقِ شرق أوسط جديد…

هنا والآن، في بداية سنة 2018، ما الذي تَحققَ في واقعِ العالمِ العربي مِنْ هذا المخططِ الأجنبي القاضي بتحيينِ « سايس بيكو »، وتجزيئِ المجزئِ فوق جغرافيةٍ أنهكها الاستعمارُ المباشر وغير المباشر، ومختلفُ مخططاتِ الهيمنةِ والإخضاعِ والإضعاف…؟ وما الذي استجد بعد تنظيراتِ بريجينسكي وغيره من أساقفةِ النظرةِ الاستعلائيةِ الغربيةِ بالقيادةِ الأمريكيةِ، وبالتواطؤِ المكشوفِ لبعضِ الرجعياتِ المحليةِ، وبالأهدافِ الصهيو-إمبريالية الواضحةِ والملموسةِ في الشرقِ العربي وغيره…؟

لا شك أن « أمة اِقرأ » لم تسقطْ كلياً في مواجهةِ ما حِيكَ ويُحاكُ ضدها حتى الآن. وهذا الانتقال من الخضوعِ الاضطراري إلى الخضوعِ الطوعي الملحوظِ والملموسِ في حالةِ بعضِ الدولِ النفطيةِ بالمنطقة، لا شك أيضاً أنه يندرجُ في سياقِ الفرزِ الضروري لقوى العروبةِ الناهضةِ، نحو تجاوزِ النتائجِ والمخلفاتِ الداميةِ والمدمرةِ لما سُمي بالربيعِ العربي والحربِ الإرهابيةِ الكبرى على المنطقة، وكذا معالجة أسباب الداء أو « الداءِ من أساسه » ومختلف المعيقاتِ الداخليةِ والعوامل المساعدة على التدخلاتِ الأجنبية.

  وإذا كانتِ الحصيلةُ مزعجةً على جميعِ الأصعدةِ في ليبيا، وهي مقدورٌ على معالجتها وتحويلِ نتائجها إلى « نقط قوة » في باقي الأقطارِ العربيةِ التي أُخضعتْ لهذا المخططِ الوحشي، فإن الحاضرَ والمستقبلَ يؤكدُ الحاجةَ الدائمةَ للمشروعِ التنموي النهضوي الديموقراطي والوحدوي في كل البلدان العربية، ويُلزمُ للبقاءِ في العصرِ بالمراجعاتِ الضروريةِ لكل الاختيارات غيرِ العلميةِ، غيرِ الوطنيةِ، غيرِ الشعبيةِ، غيرِ الديموقراطية وغيرِ الوحدويةِ أو الحضارية أو الانسانية.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail
sans titre 1 CasualStat